مصر.. هبّة ابن البلد

29 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
يراهن الديكتاتور دوماً على تحويل خصومه السياسين إلى خطر على المجتمع، وتهديد على مؤسسات الدولة، باعتباره الدولة التي يتوجب على الشعب التفافه حولها وحمايتها من المتربّصين. وبذلك يزيح الديكتاتور خصومه السياسين، خطوة أولى لتجريف المجتمع ثم إخضاعه، ما يؤدي إلى تأبيد سلطته. يجسّد اللواء عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر، الشخصية النمطية لديكتاتورٍ كرس سلطة أوليغاركية، قوامها تحالف طغمة الجيش ورجال الأعمال التي احتكرت ثروات المصريين، في مقابل إفقار المصريين وتشتيتهم في صراعات بينيةٍ تشغلهم عن مساءلة السلطة المتسببة في تردّي أوضاعهم المعيشية، فضلاً عن مقايضتها أمن مصر واستقرارها في مقابل تنازل المصريين عن أي مطالب سياسية أو اقتصادية إصلاحية. وبالتالي فرض السيسي سلطته القهرية أمرا واقعا مفروضا على المصريين، لا يمكن تغييرها مهما كانت تجاوزاتها في حقهم، بيد أن خلخلة نظام عسكري بوليسي مغلق كنظام السيسي، وإن بدت مستحيلةً في ضوء القبضة الأمنية المشدّدة على المصريين، بما في ذلك اعتقال المعارضين، واستهداف الصحافة المهنية، إلا أن تعرية نظام السيسي تبلورت من داخل النظام نفسه، فقد تحوّل الرجل ونظامه إلى هدف لمحاكمة شعبية في مواقع التواصل الإجتماعي أولاً، لتتحوّل بعد ذلك إلى احتجاجات شعبية في الشارع المصري، نادت ولأول مرة بإسقاط الديكتاتور. 
في المعادلة الجماهيرية المناوئة للسيسي، يحضر الفنان المصري ومقاول الجيش المنشق، محمد علي، طرفا مؤثرا أوجد الظرف السياسي لإسقاط نظام السيسي، فقد فضح فساد السيسي وطغمته العسكرية التي تدير مصر، داعياً إلى تجريده من شرعيته رئيسا للدولة ورأس المؤسسة 
العسكرية، بسبب سوء استخدامه سلطته وفشله في إدارة الدولة، وبذلك قوّض محمد علي ثقة المصريين في شخص السيسي، وكشف تغول الجيش المصري على حساب المدنيين، وفساد قيادات فيه، بما في ذلك احتكار الهيئة الهندسية التابعة للجيش لمقاولات المؤسسات الحكومية، مقابل استخدام الجنود البسطاء في مهام لا علاقة لها بمهمة الجيش الفعلية، متهماً السيسي بإهانة الجيش المصري. وسلطت المعلومات التي كشفها محمد علي الضوء عن حربٍ عبثية تدار باسم الجيش المصري ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سيناء، في حين أكد الناشط السيناوي، مسعد أبو فجر، ما أورده محد علي، وإنْ بتفاصيل أدق، عن دفع السيسي الجيش في حرب عصابات في سيناء، ما يشكل محرقة حقيقية للجيش المصري، فضلاً عن ملياراتٍ أنفقها السيسي على معركته في سيناء، وذلك ليس بهدف تأهيل الجنود لكسب هذه الحرب، وإنما بابا آخر لفساد النظام.
انكشاف نظام السيسي أمام المصريين، بما في ذلك المناصرون له، جعله في موقع الدفاع عن النفس، فقد حاول الجهاز الإعلامي التابع له تجريم حراك المصريين، في محاولة بائسة لربط التظاهرات بجماعة الإخوان المسلمين وبقوى متآمرة على مصر، أو بتهديد المصريين بأن إزاحة السيسي تعني الفوضى، إلا أن إعلام السلطة فشل في إعادة المصريين إلى مربع التواطؤ مع فساد النظام، إذ لم يستطع دحض حقيقة نظامٍ أدار مصر كأنها إقطاعية خاصة به، في مقابل اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وتجريف الطبقة المتوسطة، فعلى الرغم من تراكم العوامل الموضوعية للثورة ضد نظام السيسي منذ سنوات، إلا أن الشارع المصري حينها ظل محكوماً بنتائج حراكه أخيرا الذي أسفر عن سيطرة العسكر على السلطة، إذ لم يتحرّك المصريون إبّان تنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير، أو اعتقاله آلاف الأبرياء في السجون، بما في ذلك وفاة رئيس منتخب في أثناء محاكمته بتهم كيدية، إضافة إلى تعديله الدستور وتمديد فترة رئاسته، بيد أن كشف محمد علي فساد السيسي، بما في ذلك تقزيمه الجيش المصري والحط من كرامته، دفع الشارع المصري إلى مربع الاحتجاج على نظام فاسد، وهو ما يكشف تحولاً في القضايا التي تهم المصريين، وبالتالي لم يكن محمد علي سوى حلقة في سلسلة طويلة من المناهضين لفساد السيسي، فقد حاول الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار هشام جنينه، فضح الفساد قبل أكثر من عامين، إذ قدر الفساد حينها بـستمائة مليار جنيه، بيد أن جنينه الذي سلك طرقاً قانونية لفضح الفساد عوقب بالسجن خمسة أعوام، واعتدى عليه بلاطجة محسوبون على الأمن، فيما لم تلق قضيته أي تفاعل من المصريين خارج دائرة المهتمين.
ربما من المبكر تحليل ظاهرة الفنان ومقاول الجيش المنشق، محمد علي، بما في ذلك مدى ارتباطه بصراع أجنحة داخل المؤسسة العسكرية المصرية، بيد أن شعبيته الجارفة وقدرته على تحريك الشارع المصري ضد السيسي، متجاوزاً كل القوى والأحزاب المعارضة والنخب الفاعلة في الساحة المصرية، هو تعبير عن نفور معظم المصريين من النخب وتشكيكهم بالمعارضة السياسية التي لها أهدافها الخاصة للوصول إلى السلطة، فقد التف المصريون البسطاء حول شخص محمد علي، ابن البلد، الشعبي، اللامثقف واللانخبوي، في محاولةٍ منهم لاختراع بطل شعبي يشبههم خارج الصورة النمطية للبطل الذي أنتجته ثورات الربيع العربي، كما أن عدم 
انتماء محمد علي إلى أي حزب سياسي، وتحديداً خصوم السيسي التقليديين من جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب المعارضة، أكسبه قدراً من المصداقية لدى المصريين، إضافة إلى أنه لم يقدم نفسه قائدا ثوريا يوجه الجماهير، وإنما أشرك المصريين لتقصّي حقيقة ما كشفه، وبذلك حوّلهم إلى قضاة، وليس مجرّد متفرجين، كما حوّل قضية تغوّل الجيش المتعارف عليها والمسكوت عنها إلى محور للنقاش والمساءلة، وهو ما يعني نزع ورقة التوت عن الجيش المصري الذي ظل تابو يرعب المصريين سبعة وستين عاماً؛ لكن الديكتاتور، المعزول عن شعبه بطبقة المنتفعين، يؤمن أن لا أحد يملك الحق لمساءلته، وأنه يستطيع النجاة كالعادة من الأشرار، الخونة وعملاء الخارج، بيد أن الديكتاتور ارتكب خطأ فادحاً من دون أن يقصد، إذ أكد الحقائق التي ذكرها محمد علي، معقباً أنه سوف يبني مزيدا من القصور. وبعكس ما اعتقد، كان تصريحه المتعالي على المصريين المسمار الأول في نعشه.
أثبتت التظاهرات في عدة مدن مصرية ضد السيسي، والتي فاجأت الأجهزة الأمنية المصرية، أن المجتمع المصري حي ولا يكسر، مهما كانت تجاربه القريبة مريرة، وأن أي نظام يُدير المجتمع بعقلية ما قبل ثورات الربيع العربي، وبالقفز على أهم ما أنتجته، وهو قدرة الشعب على الاحتجاج؛ فقد كسر مصريون كثيرون حاجز الخوف أخيراً. وبقدر ما لعب محمد علي دوراً رئيسياً في دحرجة كرة الثلج وهز أسس نظام السيسي، إلا أن غباء النظام وفشل أذرعه الأمنية والعسكرية والإعلامية في التعاطي مع المصريين الذين يطالبون باسقاط السيسي، رجّحت ميزان المصريين المدنيين ضد الفرد المؤله، على الرغم من اعتقال المعارضين، ومنهم الناشط اليساري العمالي كمال خليل، ومئات المتظاهرين المصريين في الميادين، بيد أن عنف النظام الباطش لن يستطيع كبح تطلعات الشعب المغلوب على قهره، ولا إصلاح صورة السيسي.
في حراك الشعوب الحية للتحرّر من قامعيها وجلاديها، قد تكون ديناميكية تفاعلهم مع محاذير التغيير طويلة وبطيئة، تمشي بحذر، خوفاً من تكرار أخطاء سابقة، أو قد يكون حراكهم مفاجئا لا يمكن احتساب خطواتهم، ومهما كانت نتائج المظاهرات التي تشهدها بعض المدن المصرية، سواء أجبرت السيسي على التنحّي أو أسقطته عبر انقلاب عسكري داخل المؤسسة العسكرية، أو ظل رئيسا لمصر، فالبديهي هنا أن عجلة التغيير في مصر بدأت دورتها الأولى في طي صفحة رجلٍ لم يحترم يوماً كونه رئيسا لشعبٍ عظيم، ولا دور مصر التاريخي صمام أمان للمنطقة العربية، فيما قزّمها إلى مجرد "غفير" في نادي الأغنياء.