مصر.. مبادرات الأوصال المنقطعة وتدوير الاستبداد

21 اغسطس 2018
الصورة
قبل أيام من كتابة هذه السطور، شهدت مصر إطلاق مبادرة لجماعة الإخوان المسلمين تدعو إلى مراجعةٍ جماعيةٍ، ترتدي ثوب الحوار الوطني؛ تفضي إلى عودة الرئيس الشرعي، محمد مرسي، على رأس حكومة ائتلافية وطنية مؤقتة، إلى حين إجراء ترتيبات الانتقال إلى مسار ديمقراطي، لحقت بنداء السفير معصوم مرزوق الذي دعا إلى استفتاء تأسيسي على شرعية إدارة "3 يوليو"، وعزل من شارك في العملية السياسية على مدار السنوات العشر الماضية، وتشكيل مجلس انتقالي، يتولى ترتيب العودة إلى المسار الديمقراطي.
تأتي المبادرتان تذييلا لسلسلة بلغ عدد حلقاتها حتى الآن نحو 42 مبادرة، انصرفت ست منها للتعاطي مع أزمة القوى الديمقراطية جميعها مع إدارة "3 يوليو"، وانصرفت 13 أخرى إلى إصلاح ذات البين داخل القوى الديمقراطية، العلمانية والإسلامية، أما البقية الباقية (23 مبادرة) فانصرفت إلى إجراء مصالحة بين جماعة "الإخوان" وإدارة "3 يوليو"، تركز جلها في الأشهر القليلة التي تبعت انقلاب الثالث من يوليو/ تموز 2913، غير أن كثيرا من هذه المبادرات لم يعد كونه شهادة على التاريخ، وتأكيدا للموقف، وإبراء للذمة، ولم تتدحرج إحداها لتراكم فعاليات؛ وتنتج "حالة" وطنية، يمكنها أن تمثل بذرةً لمسار وقف النزيف المصري.
سبقت هاتين المبادرتين وزامنتهما وأعقبتهما كذلك عدةُ مظاهر إلهاء، تحاول استعادة نموذج حسني مبارك لتفتيت النخبة السياسية المصرية، لعل أحدثها في الذاكرة المصرية قضية خلع الفنانة، حلا شيحة، حجابها بعد فترة اعتزال؛ وما صاحبه من عويل بعض الدعاة المشهورين بالقدرة على الزعق، بالإضافة إلى قضية الشذوذ التي تفجرت مع نشر فنان مصري صورا عارية له مع تصريح لعدم مبالاته بالاتهام بالشذوذ، وقضية توريث النساء التي أصر الرئيس التونسي، الباجي السبسي، على تصديرها إلينا، على الرغم من أن المقصود به رأسا شقّ الصف التونسي، واستعادة استقطاب زمن بن علي، ورابعة تمثلت في زواج "الداعية" من
الفنانة "السافرة" الشابة، هذا فضلا عن خلافات المؤسسات الدينية الرسمية، ومعاودة التراشق الكلاسيكي بالتصريحات بين التيارات السلفية... إلخ، وهو ما أميل إلى اعتباره "آليات الإلهاء النخبوي"، وقد كان لها الحظوة الإعلامية الكبرى، على الرغم من وجود توافه إلهاء أخرى لعوامّ المصريين، من قبيل "تحدّي الكيكي"، وأغنيات "نجم" أدوار البلطجة في السينما المصرية.
قد لا يمكن تشبيه الليلة بالبارحة، فآليات الإلهاء النخبوي، وإن وجدت جمهورا نخبويا، إلا أن جل النخبة العلمانية الديمقراطية لم ينزلق إلى التورّط في هذه الجريمة، غير أن التساؤل يثور، حتى متى يمكن للعلمانيين الديمقراطيين الكفّ عن ملاحقة هذه الصيود التي يمكن للنفخ في نارها أن يكشف عنهم بعض الحصار، وأن يفتح الباب لتمويل التعاطي معها من الخارج في المستقبل بعد ست سنوات عجاف، تراكمت خلالها الأعباء، وارتفعت تكاليف المعيشة.
المساران مرتبطان، مسار المبادرات مقطعة الأوصال ومزامنه مسار الإلهاء النخبوي. وعلى الرغم من تحفظ صاحب هذه المقالة على جل المبادرات الأربعين ونيف، إلا أن الوقوف على آخرها لحاقٌ بمنتهى المستجدّات، فالمبادرة المحمودة للسفير معصوم مرزوق، والتي صدرت في 5 أغسطس/ آب الحالي، تضمنت مشكلتين؛ أولاهما نتيجة لثانيتهما. تتعلق الأولى بالاستفتاء الذي لا يمكن التعويل عليه مع عموم المصريين الناقمين على إدارة "3 يوليو"، لكنهم في الوقت نفسه حذرون من حالة تدابر النخب القائدة للمجتمع. وعلى الرغم من أن الشخصية المصرية تطورت، استنادا إلى ما رصده رموز مثل جمال حمدان وجلال أمين وغيرهما، إلا أن عوام المصريين الذين ساندوا ثورة يناير بأرواحهم و"عيونهم" و"حرياتهم" وممتلكاتهم، والمصدومين لاحقا من سلوك النخبة التي أنهكتهم مرتين، مرة عبر ماراثون تظاهراتي مرهق دون طائل، وأخرى عبر تقاتل على غير فقه أولويات واضح. المصريون غير مستعدين للمجازفة بالالتحاق مجدّدا بهذه النخب، وهي مستمرة في حال التدابر المهين لها، ولمصر ولعموم المصريين. ثاني معضلات "نداء معصوم" عزل القوة المجتمعية التي ما زال فيها الرمق، على الرغم مما تعرّضت له من اغتيال مادي ومعنوي. ليست المشكلة في مطالب العزل نفسها، فتلكم المطالب سبق أن أعلنتها الجماعة نفسها في مبادرة "المسارات الثلاثة" التي أطلقتها في 17 إبريل/ نيسان 2016، والتي تولى ترويجها في مصر سعد الدين إبراهيم، وانطوت على امتناع عن ممارسة العمل الدعوي والسياسي سبع سنوات، تعود بعدها الجماعة تدريجيا إلى العمل الدعوي ثم السياسي. جاءت المشكلة في التسوية بين إدارات مبارك ومرسي و"3 يوليو" في الجرم، ولعل هذا ما دفع الإخوان المسلمين إلى "تثمينها" مع رفضها. هذه الروح هي نفسها سبب فقدان النخبة الديمقراطية، بلونيها العلماني والإسلامي، رأسمالها السياسي الضروري لهذه اللحظة التاريخية في علاقتها برجل الشارع، وهي مصدر التشكّك في استجابة المصريين للاستفتاء، على الرغم من معاناتهم غير المسبوقة.
وفي المقابل، فإن مبادرة الإخوان المسلمين، والتي صدرت في 13 أغسطس/ آب الحالي، كانت أكثر من رائعة، بتأكيدها ثوابت ضرورة بناء توافق وطني، ومنهج التغيير السلمي، وعدم احتكار تمثيل المصريين، وتأكيد وحدة انتماء مسجوني الرأي وجرحاه لمصر، لا للتيارات التي ينتمون إليها، إلا أنها لم تسلم من عملية تقطع الأوصال. فمن جهةٍ، ما زالت المبادرة محض حديث، لم تسبقه خطواتٌ عمليةٌ لتهيئة الأجواء لقبولها، ومحض الحديث لا يمكنه مواجهة حالة
وجدانية، قوامها عدم الثقة، ولعل آخر من تحدّث عن هذا الموضوع الناشط الحقوقي المصري جمال عيد. ويحتاج عدم الثقة ما هو أكثر من الخطاب، لينتج تعاطيا فعالا، واكتشاف قابليات التعاطي وآليات تعزيزها من مهمة الجماعة، ولا أحد سواها، ما أسهم أيضا في تقطيع أوصال مبادرة "الإخوان" أن منتهى الحركة الحوارية التي دعت إليها الجماعة يفضي إلى ما ورد في بندها الرابع المتعلق بعودة الرئيس الأسبق، محمد مرسي، على رأس حكومة مؤقتة لفترة انتقالية تفضي إلى استعادة المسار الديمقراطي. لم يكن هذا المنتهى ليصلح منتهى للحوار. ولم يشفع لهذه المبادرة أن أكّدت أن عودة مرسي هي "أنسب الطرق" وليس "الطريق الوحيد"، فلم ترتق ردود الأفعال حيالها إلى ما آلت إليه مبادرة السفير معصوم مرزوق.
مبادرات لمّ الشمل الوطني الأكثر واعدية هي التي صدرت عن معارضة الخارج، علمانيين وإسلاميين، بل إن إحدى أبرز هذه المبادرات تطوّرت من "وثيقة بروكسل" إلى "إعلان القاهرة"، فقط لتكتسب الصفة النضالية الداخلية، لئلا تُحسب المبادرة على معارضة الخارج. ولأجل هذا الغرض "تمصير المبادرة"، حمل مصريون حيواتهم وحرياتهم وأمنهم على أكفهم.
كان لافتاً أن يتحدث رأس إدارة "3 يوليو" في خطاب "اليمين الدستورية" عن إعادة تعريف الهوية المصرية للتغلب على محاولات سرقة الوطن، "تارة تحت زعم المدنية الديمقراطية وتارة أخرى عبر الخطاب الديني". فهل تعني آليات الإلهاء النخبوي لجوء إدارة "3 يوليو" إلى مسار حسني مبارك في التفريق بحثا عن السؤدد المهدّد؟ وهل تعاود النخبة الديمقراطية العلمانية سيرتها الديمقراطية المباركية الأولى، فتكتفي بالحقوق الاجتماعية والثقافية، مهملةً أولويات المصريين وآمالهم وتطلعاتهم؟ وهل تغلق المبادرات مقطعة الأوصال، الصادرة عن الجانبين، الباب أمام محاولة بناء جوهر لأجندة وطنية إصلاحية ديمقراطية، لا يبدأ إلا من حوار فعال بين القوى الديمقراطية بتلويناتها؟ إجابة هذه التساؤلات مهمة الطرفين.