مصر: قضاة يكرهون الانتخابات ويحكمون لجنتها العليا

مصر: قضاة يكرهون الانتخابات ويحكمون لجنتها العليا

22 مايو 2014
الصورة
أعضاء اللجنة العليا للانتخابات ضد "المعارضة"(محمد خالد/فرانس برس/Getty)
+ الخط -
تتكوّن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية في مصر، وفقاً لما حدده الدستور من: المستشار أنور رشاد العاصي رئيساً للجنة، والمستشار نبيل صليب عوض الله عريان، رئيس محكمة استئناف القاهرة، والمستشار عبد الوهاب عبد الرازق حسن، نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، والمستشار عزت عبد الجواد أحمد عمران، نائب رئيس محكمة النقض، والمستشار عصام الدين عبد العزيز جاد الحق، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة.

ويغلب على اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية طابع مضاد للمعارضة السياسية، أي أنها لجنة أغلب أعضائها، إن لم يكن جميعهم، ضد المعارضة، ولكل منهم ملفّ يمكن أن نصفه بـ"الملف الأسود".

"قاض لكل العصور".. المحرّك الرئيسي للّجنة

البداية مع ما يصفه المراقبون بالمحرك الحقيقي في اللجنة، وهو مستشار رئيس الوزراء لشؤون الانتخابات، والأمين العام للّجنة، اللواء محمد رفعت قمصان. أُطلقت عليه ألقاب عديدة أبرزها "جنرال التزوير" و"رجل كل العصور"، إذْ كان له دور رئيسيّ في الانتخابات البرلمانية عامي 2005 و2010، وقاد عملية الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت خلال عامي 2011 و2012، وكذلك استفتاءي مارس/آذار 2011، ويناير/كانون الثاني 2014.

برز أول دور له في انتخابات 2005، عندما كان عميداً في جهاز أمن الدولة المنحلّ (الأمن الوطني حالياً)، وعُرف عنه معاداته لمعارضي نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك. 

يعترف رئيس اللجنة العليا للانتخابات عام 2010، المستشار السيد عبد العزيز عمر، لـ"العربي الجديد"، بأنه في انتخابات عام 2005، وبعد هزيمة الحزب الوطني الديمقراطي  "المنحلّ" في المرحلة الأولى، لصالح تيار سياسي آخر، وهو تيار "الإخوان المسلمين"، تدخلت مؤسسات الدولة المختلفة، وعلى رأسها وزارة الداخلية ورجال أمن الدولة، وزورت الانتخابات من أجل ترجيح "كفة" أعضاء الحزب "الوطني" في المراحل التالية.

ووفقاً للمعلومات، التي حصلت عليها "العربي الجديد"، فإن عميد جهاز أمن الدولة سابقاً، كان أحد أبرز قيادات الجهاز التي شاركت وطرحت الرؤى والخطط التي أفضت في المحصلة إلى عملية التزوير في انتخابات 2005، وبعد منحه الصلاحيات لإتمام العملية، وبعد نجاحه في ترجيح كفة "المنحلّ" باقتدار، كوفئ وُرقّي إلى رتبه لواء، وعُيّن مساعداً لوزير الداخلية، ومديراً للإدارة العامة للانتخابات البرلمانية بالوزارة في انتخابات 2010، كما أنه هو صاحب فكرة "قطع التيار الكهربائي" عن المقار الانتخابية، ومن ثم التلاعب بالصناديق والأصوات.

ساهمت هذه الانتخابات في تفجير ثورة 25 يناير، وأدّت في النهاية إلى إسقاط المخلوع، وكان أبرز مطالب الثورة تطهير وزارة الداخلية من رجال الوزير السابق، حبيب العادلي. 

وعُيّن اللواء محمود وجدي وزيراً للداخلية، ولم يمكث سوى أسابيع معدودة، إذ تمت إقالته بعد الرفض الشعبي له لعدم تطهيره الوزارة، ليخلفه اللواء منصور العيسوي، ضمن حكومة الدكتور عصام شرف، بعد ثبوت فشلها في إدارة المرحلة الانتقالية.

وبدلاً من تطهير الوزارة، قام بترقية "الجنرال" ليكون مساعداً لوزير الداخلية للشؤون الإدارية، مع الإبقاء عليه مديراً للإدارة العامة للانتخابات البرلمانية بالوزارة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي أجريت عامي 2011 و2012.

ووفقاً لحديث المستشار عمر، فإنه في انتخابات 2005، ورغم الإشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية فقد تدخلت مؤسسات الدولة ورجال أمن الدولة المنحلّ، لتزوير الانتخابات وترجيح كفة أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي المنحل، وهو الأمر الذي يثير علامات الشك حول نزاهة جميع الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة حتى بعد الثورة، نتيجة صفقات مستترة، أو حتى الانتخابات التي ستأتي، وهل ستسير العملية الانتخابية وفقاً لما يريده الشعب أم لرغبة القيادات العليا للدولة التي تحكم البلاد.

وتقود المؤشرات والدلائل إلى أن الصلاحيات التي منحت للجنرال، قد منحت له مجدداً بالكامل في الانتخابات المرتقبة، التي صممت ليفوز بها قائد انقلاب 3 يوليو عبد الفتاح السيسي؛ وبالتالي فإن "تحجيم" دور اللجنة كان النتيجة المترتبة والمتوقعة لذلك؛ فجميع خيوط العملية الانتخابية، خلال العشر سنوات الأخيرة كاملة بين يده، وبالتالي أصبح كل قرار أو تصريح يخرج من أعضاء اللجنة، يحصل بعد الرجوع إلى "معالي الوزير" أو "سيادة الوزير".

هذه الهيمنة على اللجنة ليست غريبة، ففي الانتخابات البرلمانية عام 2011، فُضحت "هيمنة" الجنرال على اللجنة على الملأ، يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام نفسه، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد في الهيئة العامة للاستعلامات، والذي جمع بين اللجنة العليا للانتخابات وقيادات من الجيش والشرطة للتحدث عن الاستعدادات للانتخابات وقتها.

حينها، قال رئيس اللجنة العليا لانتخابات 2011، المستشار عبد المعز أحمد إبراهيم، للواء محمد رفعت قمصان: "ماشي.. تمام .. كويس!"، كما سمع عبد المُعز خلال خروجه بصحبة قمصان، وهو يتأكد ويطمئنّ إلى أن حديثه كان في المسار المطلوب منه.
"نبيل صليب" عدوّ الديمقراطية

المستشار نبيل صليب عوض الله عريان، هو ثاني أعضاء اللجنة، وهو رئيس اللجنة العليا للانتخابات المشرفة على الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة لدستور 2014، بصفته رئيس محكمة استئناف القاهرة، وشغل قبلها رئيس محكمة استئناف الإسماعيلية.

اختير نبيل صليب في هذا المنصب، رغم أنه لا يؤمن أساساً بفكرة الديمقراطية، إذ ذكر في مقال له بصحيفة الأهرام، عقب ثورة 25 يناير، في 8 سبتمبر/أيلول 2011، أن "الانتخابات في بلدنا لا تفرز سوى أسوأ العناصر، فيما أجودها وأفضل الشخصيات والكفاءات المستحقة بجدارة للمناصب العليا تنأى بنفسها عن الترشح، تجنباً لمهازل الانتخابات وما يشوبها من بلطجة وتجريح وتشويه للسمعة وتبادل الاتهامات، هذا بجانب تكلفتها غير المعقولة ولا المقبولة، والتي لا يقدر عليها في أغلب الأحيان سوى من تحوم حول ثروته الشكوك والشبهات".

وقارن في مقاله بين الناخبين الغربيين عموماً والناخبين المصريين، معتبراً أن هؤلاء "ما زالوا يعانون من الأمية وهي ليست الأمية التكنولوجية فقط، بل أيضاً أمّية القراءة والكتابة، الانتخاب لا يصلح لمن لا يملك قوت يومه، وليس لديه رفاهية الانتقاء والاختيار".

واختتم قائلاً "باختصار، إن الانتخابات كلمة حق يراد بها باطل، يتشدق بها كل ساعٍ ومشتاق للسلطة، وعندما يظفر بها فهو أول من يحذفها من قاموسه هي وكل أخواتها من كلمات وقيم مثل العدالة والمساواة والمواطنة، إذ أصبح لا حاجة له إليها بعد انتصاره في غزوة الكرسي".

وصليب هو المسؤول عن تحديد الدوائر المختصة بنظر القضايا المتهم فيها الرئيس محمد مرسي، وقيادات جماعة "الإخوان المسلمين"، في أحداث الاتحادية والتخابر والهروب من وادي النطرون، وجميع القضايا الأخرى الملفقة. وكان صليب أحد الذين وقفوا في صف رئيس نادي القضاة، المستشار أحمد الزند، ضد السلطة التنفيذية. ولم يتوان عن إعلان رأيه في عدد منها، عبر مقالات قانونية من بينها مقال بعنوان "استقالة بالإكراه"، والتي اعتبر فيها الإعلان الدستوري لمرسي، الذي عزل فيه النائب العام الأسبق المستشار عبد المجيد محمود، وعين بدلاً منه المستشار طلعت إبراهيم عبد الله، وقال "إني كزميل له أنصحه بالعودة عن قرار العدول عن الاستقالة حتى تصبح تلك الاستقالة نافذة المفعول ويصبح المنصب شاغراً".

كذلك هاجم التعديلات التي أشيع وقتها بأن السلطة التنفيذية تسعى من خلالها إلى تعديل قانون السلطة القضائية لخفض سن القضاة، والذي كان يرتَّب لإطاحة أكثر من 3200 قاضٍ من بينهم صليب ذاته، واصفاً إياها بأنها انتهاك للسلطة القضائية.

مسؤول على الورق

أما المسؤول الأول "على الأوراق" فقط، فهو المستشار أنور رشاد العاصي، وهو رئيس اللجنة العليا للانتخابات، هو النائب الأول للمحكمة الدستورية العليا والقائم بأعمال رئيس المحكمة، بسبب تكليف المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية، بإدارة شؤون البلاد، بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز الماضي. وعمل العاصي في بداية حياته القضائية في جهاز المدعي العام الاشتراكي والمكتب الفني للنائب العام، كما عمل في نيابة أمن الدولة في عام 1977.

شارك العاصي في إصدار حكم عدم دستورية قانون انتخاب مجلس الشورى قبل حلّه بعد الانقلاب بيومين، وإبطال الجمعية التأسيسية الأولى. وأحد المآخذ على العاصي تأييده لتحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، بصفته أحد أعضاء المحكمة الدستورية، عندما طلب الرئيس المؤقت عدلي منصور رأي الجمعية العمومية للدستورية، بعد تضارب الآراء حول تحصين اللجنة، وهو ما اعتبره بعض القانونيين أمراً فبه شبهة عدم دستورية، حيث إنه أدلى برأيه في تحصين اللجنة التي يرأسها من خلال موقعه كأحد أعضاء الدستورية.

دلالات

المساهمون