مصر: ضغوط على معتقلين لتوقيع إقرارات نبذ العنف

مصر: ضغوط على معتقلين لتوقيع إقرارات نبذ العنف

11 يونيو 2018
الصورة
هدف الإقرارات بثّ الفتن بين المعتقلين (مصطفى الشامي/ الأناضول)
+ الخط -



ظهرت إقرارات نبذ العنف التي تتبنّاها وزارة الداخلية المصرية مجدداً في السجون المصرية خلال الفترة الماضية، وسط شكوك حول الهدف منها، خصوصاً في ظل عدم وجود جدوى لها. وليست المرة الأولى التي تظهر فيها مثل هذه الإقرارات في السجون المصرية، التي عُرفت إعلامياً باسم "إقرارات التوبة"، في محاولة للضغط على بعض المعتقلين للتوقيع عليها مقابل إطلاق سراحهم.

واعتبر مراقبون أن "هذه الإقرارات لا فائدة منها، وتخدم النظام الحالي بصفة أساسية، لمحاولة تجميل صورة نظام السيسي خارجياً، بدعوى أنه لا توجد لديه مشكلة في التعامل مع أفراد الإخوان أو التيار الإسلامي". وأشاروا إلى أن "هذه الإقرارات تمثل ورقة قوة للنظام الحالي أمام المجتمع الدولي، لأنها تؤكد صحة موقفه بممارسة التيار الإسلامي الموالي للرئيس المعزول محمد مرسي للعنف، وفقاً لهذه الإقرارات التي يوقع عليها بعض المعتقلين، الذين ليسوا على صلة بأزمة إطاحة مرسي".

وكشفت مصادر متطابقة عن ظهور ما يعرف بـ"إقرارات التوبة" في السجون مرة أخرى خلال الفترة الماضية، داخل السجون المصرية. وقالت المصادر إن "إقرارات التوبة، التي هي في الأساس إقرارات لنبذ العنف، توزع على المعتقلين خلال الشهرين الماضيين على وجه التحديد، من قبل ضباط الأمن الوطني ومباحث السجون". وأضافت أن "الضباط يستدعون بعض المعتقلين إلى مكاتبهم، ويفتحون حديثاً معهم حول الوضع الحالي في الدولة، ومسألة تأييد الإخوان، وأن ما تخطط له جماعة الإخوان انتهى، وعليهم التفكير في مستقبلهم".

وتابعت أن "اختيار المعتقلين ليس عشوائياً، ولكن وفقاً لتحريات داخل السجن، عن المعتقلين الذين قد يستجيبون للتوقيع على إقرارات نبذ العنف، مع وعود بإطلاق سراحهم في أقرب فرصة ممكنة، في قوائم العفو الرئاسي عن المعتقلين". وشدّدت على أن "ثمة وعوداً وتأكيدات بعدم التعرض لمن يتم الإفراج عنهم خلال الفترة المقبلة حال التوقيع على هذه الإقرارات، طالما أنه لم يمارس أي نشاط سياسي بأي شكل كان، لا تظاهرات أو حتى معارضة توجهات النظام الحالي، وهذا شرط أساسي للإفراج عنهم".



ولفتت إلى أنه "عندما يسأل المعتقلون عن مسألة الإفراج عنهم وتوقيت إتمام ذلك، يتهرب الضباط من الإجابة عن هذه الجزئية بشكل واضح وصريح، ويكتفون بالقول إن هذا الأمر سيكون في أقرب فرصة ممكنة، ولكن خلال مدة غير محددة". وأشارت إلى أنه "تم عرض التوقيع على إقرارات نبذ العنف لعدد ليس بالقليل من المسجونين احتياطاً، الذين لن يشملهم العفو الرئاسي لعدم الحصول على حكم نهائي في القضايا المتهمين فيها، ولكن الضباط وعدوا بالإفراج عنهم خلال جلسات تجديد الحبس على ذمة القضايا".

وأكدت أن "الضباط أكدوا للسجناء احتياطاً أن القضايا المتهمين فيها لن تغلق تماماً، وفي حال التوقيع على الإقرارات والخروج من السجن، يمكن أن يعودوا مرة أخرى، إذا مارسوا أي نشاط سياسي بأي صورة كانت، مع التشديد على ضرورة الالتزام بنص الإقرارات".

وحول نص "الإقرارات"، أشارت المصادر ذاتها إلى أن "المعتقلين لم يطلعوا على نصوص واضحة المعالم، ولكن عُرضت عليهم فحواها فقط". وشددت على "رفض بعض المعتقلين التوقيع على هذه الإقرارات؛ ليس لرفضهم الفكرة، ولكن بالأساس أنهم لم يمارسوا عنفاً قبل الدخول إلى السجن، ولكن تم القبض عليهم جراء مواقفهم السياسية، وبالتالي فإن التوقيع دليل على الاعتراف بممارسة العنف بما يعطي مصداقية للنظام الحالي".
وقالت المصادر إن "الرافضين للتوقيع على الإقرارات يواجهون ردة فعل عنيفة من قبل ضباط السجن، بما دفع إلى نقل بعضهم إلى سجن العقرب شديد الحراسة، وتعرّض بعضهم لتنكيل شديد كالحبس الانفرادي والمنع من التريّض".



وأوضحت أن "هذه الإقرارات أحدثت فتنة بين المعتقلين، خصوصاً أن بعضهم لم يكن له علاقة بعودة مرسي إلى الحكم أو التيار الإسلامي، ولكن اعتقل على خلفية معارضته النظام الحالي، وهو ما دفع بعض المعتقلين إلى الحديث عن أن الإقرارات ليست إلا محاولة لإحداث فتنة وانقسام داخل السجون، في ظل أن قوائم العفو الرئاسي من اختيار وزارة الداخلية فقط".

وفي وقت سابق، نشطت الأجهزة الأمنية في توزيع هذه الإقرارات خلال العامين الماضيين، ولكن شباب التيار الإسلامي في السجون رفض التوقيع إلا بالإفراج عن السيدات في السجون، والتعهد بعدم ملاحقة الشباب مرة أخرى عقب خروجهم من السجن، خصوصاً مع وجود حالات لشباب خرجوا ثم أودعوا السجن مجدداً، وتوقفت لعدم الموافقة على اشتراطات الشباب في السجون.

وكانت مصادر حكومية وأمنية قد كشفت في وقت سابق لـ"العربي الجديد" أن "السيسي ومدير مكتبه عباس كامل شكّلا منذ أشهر عدة لجنة سياسات مشتركة بين ممثلين لوزارات الداخلية والعدل والخارجية والأوقاف والأزهر والاستخبارات العامة، فضلاً عن مستشاري السيسي للشؤون الأمنية أحمد جمال الدين وللأمن القومي فايزة أبو النجا وللخطاب الديني أسامة الأزهري. وكلّفت هذه اللجنة بوضع خطة لخلخلة التماسك التنظيمي للإخوان وغيرها من الجماعات في السجون، ودمج عدد من السجناء في مبادرة جديدة للاعتراف بالسيسي ونبذ العنف والمعارضة".

وتضمّنت أعمال هذه اللجنة التنسيقية دراسة إمكانية إعطاء بعض المميزات الدراسية والمهنية للأشخاص القابلين للاندماج في هذه المبادرة بعد خروجهم من السجن، في سياق برهنة الدولة على إمكانية طي صفحة الماضي مع الأجيال الشابة من جماعة الإخوان، تحديداً مواليد التسعينيات وما تلاها، وقطع الصلات بينهم وبين أفكار الجماعة القديمة.

وقد عكست قائمة الأسماء المختارة في العفو الرئاسي الأخير، الذي أعلنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أخيراً، فشل الجهود الحكومية والأمنية الجارية منذ أشهر في جميع سجون مصر في إقناع المتهمين المسجونين احتياطياً والمحكومين في قضايا تظاهر وعنف وانتماء "لجماعات محظورة" كالإخوان المسلمين، وذلك بالاندماج في مبادرة أطلقتها أجهزة الدولة سراً للإفراج عن عدد كبير من المسجونين مقابل اعترافهم بالسيسي رئيساً للجمهورية، بالإضافة إلى التوقيع على وثائق صاغها جهاز الأمن الوطني تتضمن بنوداً واضحة للابتعاد عن العمل السياسي والتنظيمي والتعهد بالإبلاغ عن أي أنشطة معادية للدولة في الدوائر المحيطة بهم.


المساهمون