مصر.. شرعية القوة والتغلب

24 فبراير 2018
الصورة
ما زالت موجة القمع التي تزامنت مع موعد الترشيح لانتخابات الرئاسة في مصر مستمرة، وأغلب الظن أنها لن تتوقف مع بداية حكم عبد الفتاح السيسي  فترة رئاسية جديدة، فالقمع يهدف إلى إخضاع كل مكونات النظام السياسي لمؤسسة الرئاسة، ونفي كل المتنافسين على السلطة أو معارضيها، ولا يختلف، في هذا السياق، من كانوا جزءا من مؤسسات السلطة وتركوها وبين من ينتمون لمن تبقوا من المعارضة السياسية على تنوعها.
تستهدف موجة القمع والحصار المتصاعدة ترسيخ حكم الفرد، وزيادة صلاحياته على مستوى الممارسة، وتسهيل عملية اتخاذ القرار من دون تشاور أو مساءلة من مؤسسات الدولة أو القوى السياسية، ولا تشكل، في هذه الحالة، النصوص القانونية والدستورية الحاكمة لصلاحيات مؤسسة الرئاسة، عائقا أو حائط صد أمام توسيع سلطة الحاكم، وزيادة مركزية موقع الرئيس، سواء في التخطيط أو الإدارة، فلا يمكن تفعيل النصوص الدستورية التي تحد من صلاحية موقع الرئيس إلا في إطار من توازن القوة الذي تفقده مصر اليوم، أو استقلال السلطات. لذا تبقى النصوص بلا فاعلية، وليس أدل على ذلك من أن مجلس الوزراء المصري لم يخرج عن كونه سكرتارية للرئيس تنفذ تعليماته. وبالمنطق نفسه، يمكن تقييم أداء مجلس النواب المشكل بتخطيط أمني، والذي يقتصر دوره على تلقي تعليمات السلطة، والموافقة على مشاريع القوانين التي تقدم له، كما يتفانى أعضاؤه في تقديم فروض الطاعة والولاء، ليتم اختيارهم لدورة مقبلة.
شملت إجراءات الإقصاء والعقاب والتهميش كل الفاعلين السياسيين، وركزت، في مرحلتها
 الأولى، على شخصيات ارتبطت بمؤسسات الدولة، خصوصا الذين طرحوا أنفسهم بديلا للنظام، كالمرشح الرئاسي السابق، أحمد شفيق، آخر وزراء حسني مبارك والفريق سامي عنان، وقد اتسم التعامل معهم بقدر من العنف المعلن والمقصود، بحكم ثقلهم السياسي، ونفوذهم وتأثيرهم في أجهزة الدولة. وأمام احتمال حدوث أزمة مستقبلا، يحاول فيها أحد رجال الدولة الصعود إلى السلطة، اتخذ النظام إجراءاتٍ تستهدف إحكام السيطرة على أجهزة إدارة الدولة، وإبدال غير المرضي عنهم، بشخصياتٍ أكثر قربا وثقة من مؤسسة الرئاسة، واستدعى هذا عدة إجراءاتٍ، كان منها إبدال بعض قيادات المؤسسات الأمنية أو إبعادهم، وهو ما اتضح في سلسلة الإقالات والنقل التي شهدتها مصر أخيرا، داخل عدة مؤسسات، وهي قابلة للتوسع والاستمرار خلال الأشهر المقبلة، خصوصا بعد بداية الفترة الثانية للنظام.
وفي إطار ترسيخ الحكم المطلق، وتغلب السلطة، سيسعى النظام، في الفترة المقبلة، إلى هدفين مترابطين، أولهما إيجاد شرعية جديدة، يدشن بها فترة حكمه، والثاني إضعاف كل البدائل السياسية ونفيها، عن طريق تفتيت قوى المعارضة ومحاصرتها، ومنع أي محاولة لتجميعها، وإجهاض كل التجارب السياسية الجادة والمؤثرة.
في إطار الهدف الأول، يسعى النظام إلى إظهار نتائج المشروعات التي أنشأها وتعظيم نتائجها. ويستخدم في ذلك وسائل الإعلام التي تدلس وتتلاعب بالأرقام، فتظهر مؤشرات الإنجاز الخادعة، وتتجاهل مؤشرات الأزمة الاقتصادية المتعلقة بنسب الفقر والبطالة، وارتفاع مستوى الأسعار. كما يحاول النظام ومؤيدوه إيجاد مشاهد من الحشد المساندة للسلطة، عبر مؤتمراتٍ تقام في المحافظات، بمساندة أعضاء مجلس النواب وكبار رجال الأعمال والاجهزة التنفيذية وتخطيطهم. ويستعد كذلك لاحتمالات تراجع نسب المشاركة فيما تسمى انتخابات الرئاسة. وأغلب الظن أننا سنجد مشاهد مصنوعة من التأييد والتزاحم على لجان الانتخابات.
الهدف الثاني نفي فكرة البدائل السياسية، وقد بدا ذلك، منذ بداية توليه الحكم. ولكن سوف يتم التركيز عليه، في محاولة لتأميم فكرة الاختلاف، ليبقى صوت السلطة وحده المسموع، ويتم المزيد من عمليات شيطنة كل القوى السياسية، واتهامها بالعمالة أو الانتماء إلى صفوف قوى الشر والإرهاب، أو في أقل تقدير هدم الدولة. وسيستخدم من أجل نفي فكرة البدائل السياسية مزيدا من الحصار الأمني والمعرفي، عبر تأميم كل وسائل الإعلام، وممارسة كل أشكال الإقصاء السياسي للمخالفين. ولعل حالة القبض على رئيس حزب مصر القوية، عبد المنعم أبو الفتوح، وهو مرشح رئاسي سابق، دليل على هذا التوجه. وغالبا سيطاول الحصار والقمع ما 
تبقى من الكوادر الشبابية التي لعبت دورا مؤثرا في أثناء ثورة يناير، والتي ستدخل القطاعات المعارضة منها في إطار دعم الإرهاب. وغالبا سيتكرّر ما حدث مع أبو الفتوح من ضغوط تضمنت التحفظ على أمواله، ووضع حزب مصر القوية تحت الحراسة، بالإضافة إلى التضييق على الحركة السياسية، سوف يتم التضييق على الحركة النقابية، ومحاولة احتوائها بشكل كامل، مع تضييقٍ على الحركة الاحتجاجية، خصوصا الحركة العمالية، والتي بدأت بوادر لتصاعد حركاتها، وهو الأمر الذي تقابله السلطة بالقمع، عبر التهديد أو الحبس، ناهيك عن فصل العمال المحتجين الذين يرفعون مطالب عادلة، ترتبط برفع الأجور، وإقرار إجراءاتٍ تضمن السلامة المهنية.
إجمالا، يمكن القول إن النظام في مصر يسعى إلى ترسيخ شرعية جديدة، باستخدام قوة القهر والإذعان، وهي من أشكال شرعية الأمر الواقع، شرعية القوة والتغلب. وفي الوقت نفسه، ينفي البدائل السياسية ويشوهها، ويشيطن المعارضين، ويستند في ذلك إلى قوة الأجهزة الأمنية، وسطوة (ونفوذ) مجموعات المصالح والكتل الاقتصادية المستفيدة من وجود النظام، في حالةٍ من المبايعة من قطاعات مستفيدة من حكمه، وصمت قطاعات مغلوبٍ على أمرها تحت سطوة القمع والترهيب. وبذلك ترجع مصر إلى عصر ما قبل الثورة، بل ما قبل الدولة الحديثة التي حكمها منطق التغلب والسيف، والإذعان للأمر الواقع.
يتضح أن النظام مستعد لإقصاء كل من يعوق تقدمه من دون حسابات، مستخدما كل الأدوات الممكنة، وفي مقدمها آلية التشريع، وسلسلة القوانين الاستبدادية، وأساليب البلاغات الكيدية، ووصلات الردح الإعلامي، ومن أجل امتلاك أدوات إدارة الدولة والسيطرة عليها، يتم إحلال قيادات مؤسسات الدولة بالمقربين من مؤسسة الرئاسة. وغالبا سينجح النظام، على المدى القصير، في تثبيت أركان حكمه، بحكم ضعف قوى المعارضة، وقدرته، ومؤيديه، على ترتيب صفوفهم، وقدرة النظام على إقامة علاقات دولية، تحمل مصالح اقتصادية، خففت من حدة الانتقادات لسياساته. لكن على المدى البعيد، ستظل الأزمة السياسية والاقتصادية الحادة التي رسخها النظام آلية لتعطل تقدمه. وستفتح هذه الأزمة بابا للتمرّد السياسي والاجتماعي، لأن المجتمع لا يمكن أن يستمر بهذا الشكل.