مصر: تعليمات حكومية بالتعاقد المباشر مع شركات الجيش والاستخبارات

17 سبتمبر 2018
الصورة
زيادة ضخمة متوقعة بعدد الصفقات المعقودة بالأمر المباشر(فرانس برس)
كشفت مصادر حكومية مصرية عن صدور تعليمات من قبل رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، للوزارات المختلفة، باتباع إجراءات التعاقد بالأمر المباشر مع الشركات التابعة للجيش والاستخبارات العامة بدون إجراء ممارسات محدودة أو مناقصات أو مزايدات، ضماناً لسرعة تنفيذ مشاريع وتطبيق العقود التي يترتب عليها إعطاء خدمات استشارية وهندسية والتشغيل والمقاولات.

وأضافت المصادر أنّ وزارات الإسكان والسياحة والزراعة والنقل تعاقدت خلال الشهرين الماضيين بالأمر المباشر مع عدد من الشركات المملوكة للجيش والاستخبارات العامة و"الهيئة العربية للتصنيع"، ومع صناديق استثمارية مملوكة للجيش والاستخبارات وشركات تابعة لها، للمشاركة في تنفيذ مشاريع سكنية وإدارية وللحصول على خدمات استشارية مختلفة، بعضها مرتبط بالدعاية والإعلان وإدارة الطرق، وذلك كله من دون اتباع قانون "المزايدات والمناقصات"، الذي يعدّ الشريعة العامة لبيوع وتعاقدات الأجهزة الحكومية جميعاً، منذ صدوره عام 1998 وإلى الآن.

وأوضحت المصادر أنّ عدداً من شركات المقاولات والدعاية المتضرّرة من إرساء العقود على الجيش بالأمر المباشر، بصدد إقامة دعاوى بطلان لتلك العقود أمام مجلس الدولة، لكن الجهات الحكومية المختصة بإدارة مجال كل منها، تحاول إقناعها بعدم تحريك أي دعاوى، مع وعد بإعطائها أفضلية في بعض المشاريع مستقبلاً، وفق قانون التعاقدات الحكومية الجديد الذي يعفي الجهات الإدارية من اتباع إجراءات المزايدة والمناقصة في العديد من الحالات.

وكان النظام الحاكم قد ضاق ذرعاً بقانون المزايدات والمناقصات، بسبب تقييده سلطة الجهات الحكومية المختلفة في التعاقد بالأمر المباشر مع مستثمرين أو شركات مقاولات أو شركات خدمات بعينها. إذ كان "الجهاز المركزي للمحاسبات"، خصوصاً في عهد رئيسه السابق هشام جنينة، يسجّل ملاحظات متكرّرة ببطلان البيوع وصفقات الشراء التي تعقدها الجهات الحكومية، بما فيها الأجهزة السيادية والأمنية، بالأمر المباشر من دون اتباع المناقصة أو المزايدة، بل وأحال الجهاز بعض تلك الحالات للنيابة العامة للتحقيق في شبهات فساد.


وسيصدر قانون جديد قريباً لتنظيم التعاقدات الحكومية، استجابة لشروط اتفاق الحكومة مع "صندوق النقد الدولي"، وكذلك لضغوط مارستها حكومات الإمارات والسعودية طوال السنوات الخمس الماضية لتأمين الأفضلية لمستثمريها في البيوع الحكومية، بدلاً من التنافس مع مستثمرين محليين.

ومشروع القانون الجديد الذي أعدّته لجنة مشتركة من النواب وممثلي وزارة العدل، يفتح الباب أمام جميع الجهات الحكومية للتعاقد بالأمر المباشر في 7 حالات معظمها غير محدد، بل يعود تقديره للسلطة التقديرية للحكومة أو الجهاز الذي سينفذ التعاقد. فمنها على سبيل المثال: "إذا كانت الحالة تستهدف تعزيز السياسات الاجتماعية أو الاقتصادية التي تتبناها الدولة" و"الحالات الطارئة التي لا تتحمّل اتباع إجراءات المناقصة أو الممارسة" و"عندما لا يكون هناك إلا مصدر واحد بقدرة فنية مطلوبة" و"عندما لا يكون هناك إلاّ مصدر واحد له الحق الحصري أو الاحتكاري لموضوع التعاقد".

ومن صياغة الحالات السابقة، يتبيّن اتساع السلطة التقديرية التي يمكن بها إدراج أي صفقات تحت أي من البنود المذكورة، خصوصاً ما ينصّ على "تعزيز السياسات الاجتماعية والاقتصادية"، وهي عبارة ليس لها ضابط أو رابط. كما أنّ الحديث عن "وجود مصدر واحد بقدرة فنية" أو "بحقّ احتكاري وحصري"، ينطبق بالدرجة الأولى على شركات الجيش وبعض شركات الاتصالات وجميع شركات البترول المتعاقدة مع الدولة، الأمر الذي سينعكس بزيادة ضخمة في عدد الصفقات المعقودة بالأمر المباشر، ومن دون عقد الرقابة على تلك السلطة التقديرية لأي جهة حكومية أو رقابية.

كما يجيز مشروع القانون لكلّ من وزارات الدفاع والإنتاج الحربي والداخلية وأجهزتها جميعاً في "حالات الضرورة التي يقتضيها الأمن القومي"، التعاقد بطريق المناقصة المحدودة أو المناقصة على مرحلتين أو الممارسة المحدودة أو الاتفاق المباشر. ويعتبر هذا النصّ تكريساً وتقنيناً لوضع غير دستوري قائم على التمييز الإيجابي لتلك الوزارات وأجهزتها على باقي الوزارات والشركات، خصوصاً أنّ تعبير "الأمن القومي" يبلغ من الاتساع ما يمكّن كل وزارة من تفسيره كما تشاء، وما يضمن لها أن تدرج تحته كل تعاقداتها. علماً بأنّ القانون يضمن "سرية استثنائية" لخطط البيع والشراء المندرجة تحت اعتبار "الأمن القومي"، وذلك بعدم نشر أي معلومات عنها على بوابة الخدمات الحكومية الإلكترونية.

والأمر نفسه يضمنه القانون بصورة استثنائية لمجلس الوزراء، كجهة منفصلة عن باقي الوزراء، بل إنّ المشروع يجيز لذلك المجلس، وللمرة الأولى، التعاقد بالاتفاق المباشر مع أيّ مستثمر منفرد أو شركة، مصرية أو أجنبية، إذا تقدّم بخطة لمشروع استثماري متكامل جاهز التمويل، وذلك بعد موافقة وزير المالية.

أمّا التعاقدات الخاصة بين الأجهزة العسكرية والاستخباراتية، فيقرر المشروع الجديد إبقاءها بالأمر المباشر من دون اتباع أي ممارسة أو مناقصة أو مزايدة، حتى وإن كانت محدودة، وهذا الأمر يسمح باستمرار سرية تعاقدات الجهات السيادية التي تستعين بشركات الجيش وشركات الإنتاج الحربي حصرياً لتنفيذ مشاريعها، بمعزل تام عن الرقابة.