مصر بين تعديلات قانون الجنسية ومواطنة الإخوان

03 أكتوبر 2017
الصورة
+ الخط -
ما كاد أهلنا في مصر يعلنون الهوية المصرية مشتركا بينهم جميعا، ويطالبون بالوحدة حول راية المواطنة، والتحسّس من البرامج التي تقصم هذه الهوية، حتى نشبت في مصر مواجهة هوياتية جديدة ذات طابع هابرماسي كلاسيكي، نسبة لفيلسوف التواصلية النقدي، يورغن هابرماس. ففي مقابل دعوة المواطنة، شرعت إدارة "3 يوليو" في تعديل قانون الجنسية، القانون رقم 26 لسنة 1975، بحيث يتضمن مداخل جديدة لنزع الجنسية عن الآخر "الوطني"، وكأن "الإخفاء القسري" و"التصفية بدون محاكمة" ليسا كافيين بحال للقضاء على هذا الآخر.
هي مواجهة هابرماسية بامتياز، بين العقلين "الأداتي" و"التواصلي". فالعقل الأداتي المادي، الذي يشيّئ كل مكونات بيئته، ولا يميز بين إنسان وطفل وأهل أو سلعة ومادة خام و"حفنة رز". فكل متضمنات المحيط البيئي محض مكوناتٍ ماديةٍ، لا قداسة لها، ولا قيمة. ومن ثم، لا يشكل التعاطي مع هذه المكونات بالعبث أو التصفية أو الإخفاء القسري أو نزع الغطاء القانوني خرقا لقانون الأداة. وفي المقابل، يقف "العقل التواصلي" محاولا كسر دوائر الجمود والانغلاق التي فتتت المجتمع، وكسرت أجنحته، والتمترس خلف معيار لدعم المجتمع المنسحق تحت وطأة السلاحين المقيتين "المشروعية السلطوي" و"الانتقام العبثي"، وهما السلاحان اللذان يكرسان الحلقة المفرغة لسحق المجتمع. بالإضافة طبعا إلى السلاح الثالث، الإرهابي الذي يخنق الجميع بلا استثناء.
لست هنا في معرض الحديث عن قانون الجنسية، أو تجليات العقل الأداتي المختلفة، فقائمة منتجات "الدولة الضارية Fierce State" بتعبير نزيه الأيوبي، والتي لا تأبه لشعبها وإرادته ومطالبه، لن تتوقف، ما دامت الدولة على ضراوتها، بدون مجتمع يقول لها: كفى. ومن ثم، المقصود بالعقل التواصلي هنا هو "المرحلة الثالثة" من مطالب التمترس خلف معيار "المواطنة"، وهي الدعاوى التي بدأت تزحف مستشرية في خطاب النخبة المدنية في مصر، داعية أعضاء جماعة الإخوان المسلمين (وليس الجماعة حتى المراجعة) للاجتماع على كلمة سواء، في النضال من أجل مجتمع مصري قوي، قادر على إيقاف تغوّل الإرادة الأداتية العمياء، ورد مصر إلى المسار الوسطي.

أشارت الفقرة السابقة إلى ما أسميتها "المرحلة الثالثة للتمترس خلف المواطنة"، في إشارة إلى مرحلتين سابقتين: ما بعد واقع إقرار الدولة القُطرية، وتنادي هذه الدولة لمواطنيها بمواجهة استحقاقات هذه الدولة القُطرية من مواجهة الاستعمار، ثم التحديات التي أعقبت الاستقلال؛ عسكرية كانت أو اجتماعية - اقتصادية. لكن ما يهتم به السياق هنا "المرحلة الثانية" التي أسس لها ما سبق أن أسماها عبد الوهاب المسيري قبل عقدين "موجة الإسلاميين الجدد"، وهي الموجة التي على الرغم من تقديرها غير المختلف عليه للهوية الإسلامية، إلا أنها دعت إلى تجاوز "لافتة" الإسلام التي كانت آنذاك تعكس أحد وجهي الاستقطاب الذي استشرى في مصر، برعايةٍ سلطويةٍ واضحة، ضمن ما اعتبرناه مشروع "الحكم بالخوف".
يحضرني، في هذا الإطار، واقعة شهدها ميدان التحرير في القاهرة في الأيام الأولى لثورة 25 يناير في العام 2011، عندما نصبت جماعة الإخوان المسلمين خيمتها في الميدان يوم 28 مساء، ووضعوا عليها لافتة كتب عليها "الإخوان المسلمون"، مرفقة بشعار الجماعة، فتدخل عدد من قادة الرأي، من الجماعة ومن خارجها، ناصحين قاطني الخيمة بإلغاء اللافتة التي وضعوها، ولم يتردّد قاطنو الخيمة في الاستجابة للنصيحة، وشهدت الأيام الثماني عشرة من عمر مشروع يناير حالة تفاعل خلاق بين الجميع في الميدان من دون حساسيات أو تمايزات.
وعلى الرغم من نبل واقعة إزالة اللافتة عن خيمة "الجماعة" في أيام يناير الأولى، إلا أن قصة "التخلي عن اللافتة" ليست وليدة الميدان، بل ترجع إلى 1996، حيث اتجه قطاع من جيل السبعينيات داخل الجماعة إلى الخروج منها، آملين دعم فضاء سياسي جديد يستلهم خبرة جيل السبعينيات الذي لم يحمل أعباء مواجهات "ناصر" والإخوان، في محاولةٍ للتخلص من المحمول التاريخي للاستقطاب، وكان المحمول الفكري موضع مراجعةٍ خلاقةٍ أنتجت برنامج الحزب الذي مر بثلاثة برامج حتى خرج إلى النور، حزبا الوسط والوسط المصري، وثالثها برنامج حزب الوسط الجديد، في إصرار على رفض حمل "اللافتة". وفي إشارة إلى أن تجاوز الخلاف الهوياتي إلى طروحات برامجية وأجندات تحمل ما هو مشترك بين المصريين أكثر مما تحمل من أوجه الاستقطاب، هو الهدف من المشروع الجديد، وكانت إضافة التوصيف المصري للحزب من أبرز أيقونات التوجه الجديد.
لم يكن حزب الوسط المصري آخر التحركات السياسية التي ذهبت في اتجاه تمييع الخلافات الاستقطابية الكبرى، ومحاولة التأكيد على المشترك المصري، بل أضيف إلى هذا التوجه جهود حركات أخرى، خرجت من الجماعة نفسها باتجاه الضغط لتشكيل التيار الأساسي للأمة
المصرية، أبرزها المجموعتان اللتان أسست إحداهما حزب مصر القوية، في يوليو/تموز 2012، متمسكا بالمادة الثانية من الدستور، مع رفضه احتكار الإسلام في حزب أو أحزاب أو استخدام الدين شعارا ضمن الصراعات السياسية، بينما أسست الأخرى حزب التيار المصري في ديسمبر/كانون الأول 2013 على قيم تجاوز الاستقطاب الأيديولوجي، والديمقراطية التشاركية، واللامركزية الإدارية، وتمكين المهمشين. ومع هذه الإشارة إلى أهم الملامح البرامجية للحزبين، يلفت حملهما اسم "مصر" إطارا يجمعهما بكل التكوينات السياسية التي تسعى إلى المشاركة في صنع مستقبل البلد سياسيا. وصارت التجربتان إلى خبرة اندماجية تحت راية "مصر القوية" في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2014.
استسهل المجتمع السياسي، إلا قليلا، رفض التعاطي مع هذه الخبرات الانفتاحية الإسلامية بقدرٍ من الجدية في حينه، خصوصا خبرة حزب الوسط، وكذلك إرهاصات نهج عبد المنعم أبو الفتوح والشريحة الإخوانية التي كان يعبر عنها، وهو الاستسهال الذي أغلق باب تجديد جماعة الإخوان من الداخل، حيث بدا للجميع أن خبرات الانفتاح لا تلقى احتفاءً، لا من السلطة ولا من المجتمع المدني، ما أدى لاحقا إلى اندفاع الجماعة (التنظيم بشكل أساسي) باتجاه "الترييف" و"التسلف"، على الرغم من ضغوط قطاع من النخبة السياسية داخلها باتجاه الانفتاح، وهو ما قاد لاحقا إلى موجة الانشقاقات التي شهدتها الجماعة بعد 25 يناير.
أفاد الاستسهال المشار إليه بأن المواجهة على أساس الهوية قد لا تكون بسبب حامل الهوية، بل بسبب من يصرّ على وضعه في إطار هوياتي، لا يريد الأخير أن ينتمي إليها. تتبدل المواقع، وضمنها تتبدل الظروف والمضامين، وتقف جماعة الإخوان المسلمين اليوم الموقف نفسه للتيار المدني من القوى الإسلامية الجديدة. وما من شك في أن الملف ما زال في بداياته.