مصر: براءة 6 ضباط وشرطيين بقضية إخفاء مجند وتعذيبه حتى الموت

06 ابريل 2019
الصورة
تعذيبه من قبل 6 ضباط وأميني شرطة (Getty)
قضت محكمة الجنايات المصرية، اليوم السبت، ببراءة المتهمين بقضية اختفاء قسري لمواطن مصري (مجند) لمدة 22 يوما، داخل قسم شرطة، وتعذيبه بشكل وحشي وممنهج من قبل 6 ضباط وأميني شرطة حتى فارق الحياة، وكذلك احتجاز أفراد أسرته وصديقه دون إذن قضائي وتعذيبهم، ومحاولة إخفاء معالم الجريمة من خلال تزوير سبب وفاته وسبب تواجده داخل القسم.

القضية رقم 13 لسنة 2017 في نيابة حوادث جنوب الجيزة الكلية، كشفت عن ساعات رعب شهدها قسم شرطة الهرم في محافظة الجيزة المصرية، وتحول القسم إلى "سلخانة للبشر" من خلال قيام 6 ضباط وأميني شرطة، باحتجاز شاب عشريني، يدعى محمود سيد محمد حسين – مجند – داخل القسم لمدة 22 يوماً، دون إذن قضائي، وتعذيبه بشكل بشع وهتك عرضه و"صلبه" و"تعليقه" و"صعقه" بأماكن حساسة ومتفرقة بجسده حتى وفاته، خلال استجوابه في إحدى القضايا، وكذلك احتجاز أفراد أسرته وصديقه دون إذن قضائي وتعذيبهم.

ضمّت قائمة المتهمين بالقضية والذين حكم ببراءتهم كلاً من، "بهاء الدين محمد سالم – 47 سنة – مفتش مباحث فرقة قسم الأهرام، وعصام نبيل رجب – 43 سنة – وكيل مباحث فرقة الأهرام، وعمرو أحمد حجازي – 38 سنة – رئيس مباحث قسم شرطة الأهرام، وطارق مدحت عبد الحميد – 31 سنة – معاون مباحث قسم شرطة الأهرام، وهاني محمود عجلان – 28 سنة – معاون مباحث قسم شرطة الأهرام، ومحمد أحمد عتلم – 30 سنة – معاون مباحث قسم شرطة الأهرام، ورجب نعمان عبد الظاهر – 46 سنة – أمين شرطة بقسم الأهرام، وأمير إسماعيل عبد اللطيف – 32 سنة – أمين شرطة بقسم الأهرام".

بدأت الواقعة عندما تلقت النيابة العامة بتاريخ 6 مارس/ آذار 2017 إخطارا بوفاة المجند "المجني عليه"، ووجود شبهة جنائية في وفاته، ووجود آثار تعذيب شديدة ونزيف من أماكن متفرقة بالجسد، رغم إدعاء المتهم الأول، مفتش مباحث فرقة قسم الأهرام، تعرض المجني عليه لهياج شديد وسقوطه على الأرض وتعرضه لهبوط في الدورة الدموية ووفاته، على إثر استدعاءاته المتكررة في القسم لاستجوابه في جناية قتل جدته وسرقة مصوغاتها الذهبية.

حققت النيابة العامة المصرية في الواقعة، واستمعت لأقوال الشاهد الأول محمد سيد حسين – 18 سنة – طالب بالصف الثالث الثانوي (شقيق المجني عليه)، والذي جاءت أقواله لتفجر المفاجأة وتكشف عن خيوط الواقعة، حيث أقر شقيق الضحية أنه تم ضبطه هو وشقيقه منذ أكثر من 20 يوما لاتهامهما في قضية قتل جدتهما زكية فرغلي منصور، وكان ذلك بمعرفة الضابطين عصام نبيل وهاني عجلان، بتاريخ اكتشاف واقعة مقتل جدتهما. وقرر الشاهد، أنه منذ بداية فترة احتجازه تواجد برفقتهم عمه إبراهيم محمد حسين وهشام السيد صديق شقيق المجني عليه، والذي ظل محتجزا برفقتهما حتى وفاة الأخير "شقيقه"، ثم والدته التي غادرت بعد فترة من احتجازها.

وأضاف أنه بعد مرور قرابة الأسبوع على احتجازه هو وشقيقه المجني عليه وصديق شقيقه، بدأت وقائع التعدي عليهم لحملهم على الاعتراف، ورصد وقائع التعدي على شقيقه ما بين حالات أخبره بها شقيقه وحالات شاهدها بنفسه وأخرى سمع فيها صوت استغاثة شقيقه وصراخه هو وصديقه هشام السيد، وأخرى رأى أثرها على جسد شقيقه. فقد أبصر قبل وفاة شقيقه بقرابة الأسبوع طلب الضابط عصام نبيل، للمجني عليه واقتياد الأخير إليه ودخوله إليه بأحد مكاتب ضباط المباحث، وقد وضع على ظهر المجني عليه خشبتين متقاطعتين كـ "الصليب" ويداه مربوطتان ومرفوعتان إلى أعلى، وتعدى حينها على شقيقه بالضرب بعصي أفراد شرطة، أعقبها اقتياد صديق المجني عليه هشام، وممارسة التعدي عليه بذات الكيفية.

وأوضح أنه في إحدى المرات التي كانت منذ قرابة 10 أيام السابقة على سؤاله، وعقب اقتياد شقيقه كعادتهم لمكتب أحد الضباط، شاهده لدى عودته وهو مقيد اليدين بالأصفاد الحديدية يبكي، إذ تم حجزه في تلك المرة برفقته بالحجز الإداري، حينها أبصر به آثار التعدي التي مورست عليه من تورم بيديه وآثار إصابات بموضع الأصفاد الحديدية وتورم بالجانب الأيمن من الوجه والأذن والرقبة، وكان بصدره من الناحية اليمنى بقع حمراء اللون. وأنه في تلك المرة أخبره المجني عليه أن الضابط عصام نبيل، هو محدث إصابته، وأنه هو وأعوانه قاموا بتعليقه من يديه بالأصفاد الحديدية، وأن ما بوجهه أثر التعدي عليه بعصي، وأن البقع الحمراء بصدره هي من جراء صعقه بصاعق كهربائي، موضحا أن شقيقه وصديقه قد غادرا ديوان القسم عدة مرات للإرشاد عن مكان ما، آخرها قبل وفاته بقرابة اليومين.

أما عن يوم وفاة المجني عليه فقد شهد أن شقيقه كان محتجزا بغرفة "التسجيل" الملاصقة لقفص الحجز الإداري – محل احتجازه هو – وأن صديق شقيقه كان محتجزا بالغرفة المقابلة لها، وأنه بذلك اليوم تم اقتياد شقيقه المجني عليه وصديقه لإعاده مناقشتهما ثم عادا بعد قرابة النصف ساعة. وتابع، أنه عقب عودتهما تم تعليق كل منهما بأصفاده الحديدية على نافذة الغرفة المحتجز بها حتى حضر إلى شقيقه أحد الضباط الذي حدد أوصافه هو ومرافقيه وهم كل من "محمود ومحمد وإسلام"، وقد أحرز الضابط عصى طولها حوالي متر وأحرز كل من "محمود وإسلام" خراطيم بلاستيكية. وقد سأل الضابط المجني عليه عن مكان إخفاء المصوغات الذهبية الخاصة بجدته، وبدأوا تعديهم عليه، وظلوا يتعدون عليه قرابة 15 دقيقة، ثم تركوا المجني عليه، وعاد إليه الضابط هاني عجلان متعديا عليه بيده على ظهره قرابة 15 دقيقة أخرى.

وأوضح أن المجني عليه حاول تخفيف آثار التعليق الموجعة، فحاول رفع ثقل جسده بوضع قدميه على "دولاب" بجوار الشباك المعلق به، فقام فردان آخران هما رجب نعمان وأمير وهما من أفراد قوة مباحث الهرم، بالتعدي عليه بالأيدي على ظهره وساقيه لإنزال قدميه حتى يتحقق لتعليقه على يديه أثره. وظلا يتعديان عليه قرابة 15 دقيقة بالأيدي حتى بدأ المجني عليه في الاستغاثة مقررا عدم قدرته على التنفس وإحساسه بمفارقته الحياة وخروج الروح من الجسد فلم يستجب له أحد، حتى أبصر الشاهد شقيقه وقد انحنى رأسه للخلف وسكن في وضع تعليقه من يده بالأصفاد الحديدية، وحينها أيقن وفاته.

واصلت النيابة العامة تحقيقاتها واستدعت الشاهد الثاني هشام السيد حسانين – 24 سنة – حرفي (صديق المجني عليه)، والذي أقر بأن علاقة صداقة تربطه بالمجني عليه منذ 10 سنوات، تعددت فيها لقاءاتهما والتي كان آخرها قبيل مقتل جدة المجني عليه، بيوم واحد، وأنه في اليوم الثاني لمقتل جدته، تفاجأ بالضابط محمد عتلم، وأفراد شرطة لا يقف على هويتهم، يلقون القبض عليه من مسكنه، مصطحبين إياه لديوان قسم شرطة الهرم، وهناك ظل محتجزا لمدة تفوق 20 يوما.

وأضاف أنه يوم وفاة المجني عليه، وفي وقت العصر، سمع أصوات التعدي على المجني عليه واستغاثة الأخير، وقد ميز من بين تلك الأصوات صوت الضابط هاني عجلان والذي نطق باسمه المجني عليه في استغاثاته بالكفّ عن تعديه عليه، بعدها انتقل المعتدون، ومن بينهم الضابط هاني عجلان، لمحل احتجازه وتعدوا عليه بالضربات على ظهره بعصي خشبية.

وأضاف أنه جرى التناوب في الاعتداء عليه حتى مطلع العشاء، حينها سمع المجني عليه مناديا الضابط سالف الذكر يستعطفه ليسقيه "شربة ماء" ثم سكن بعدها.

وأردف بأنه حينها حل وثاقه وكان أصابه الإعياء من كثرة التعدي عليه حتى فقد الوعي ليستفيق بمكتب الضابط محمد عتلم، والذي منه جرى نقله لأحد المستشفيات فتلقى بعض الدواء ثم تم اصطحابه لأقسام شرطة العمرانية ثم الوراق ثم الطالبية، وقبيل إطلاق سراحه التقى الضابط محمد عتلم الذي أمره بمبارحة مسكنه والسفر لبلدته بمحافظة سوهاج للتداوي والتواري عن الأنظار، فامتثل لأوامره وظل هناك لمدة فاقت الشهر حتى عودته مرة أخرى.

وقد روى شهود الإثبات من المحتجزين في القسم وعددهم 8 شهود آخرين ساعات الرعب داخل القسم التي عاشوها ليلة مقتل المجني عليه، حيث أكدوا أنهم كانوا محتجزين على ذمة قضايا أخرى، وسمعوا وشاهدوا وقائع التعذيب عدة مرات بحق المجني عليه المتوفي وشقيقه. وأضافوا أن آخرها كان يوم الواقعة، حيث سمعوا صراخا صادرا من غرفة ملاصقة للحجز الإداري من جهة اليسار، وشاهدوا من خلال نافذة بجدار الحجز الإداري، المجني عليه معلقا وهو يستغيث ويتم التعدي عليه بالضرب بالتناوب من أشخاص عديدين حتى وفاته.

لتستمع النيابة بعد ذلك لأقوال الطبيب الشرعي، أيمن أحمد حسان، الذي أكد أن وفاة المجني عليه تعزى إلى مجموع ما ألم به من إصابات دون أن تكون إصابة بعينها هي السبب في إحداثها، وقدم تقريرا مفصلا بالإصابات الكبيرة التي جاءت في جميع أنحاء جسده تقريبا، واحتمالية حدوثها وفقا لرواية الشهود. لتقوم النيابة العامة بمعاينة ديوان القسم، وتبين لها وجود كاميرات مراقبة مثبتة ببعض أرجائه، فتم ضبط وحدة تخزين معلومات تلك الكاميرات، وبتفريغ محتواها تبين أن بداية المعلومات المسجلة بها تبدأ من 21 فبراير/ شباط 2017، وبفحصها أمكن مشاهدة والدة المجني عليه صباح يوم 2 مارس/ آذار 2017، حال خروجها من ديوان القسم بمفردها. وكذلك في ذات اليوم، أمكن مشاهدة المجني عليه المتوفي، عائدا لديوان القسم في تمام الساعة الرابعة وإحدى وأربعين دقيقة رفقة المتهم الخامس هاني محمود عجلان، وعدد آخر من أفراد الشرطة، وبيده أصفاد حديدية دالفين لوحدة مباحث القسم.


وهنا اكتشفت النيابة كذب المتهم الأول مفتش مباحث فرقة قسم الأهرام، والذي ادعى أنه جاء يوم 6 مارس/ آذار 2017، بينما أثبتت الكاميرات وجود الضحية في تاريخ سابق عن ما ادعاه المتهم الأول في المحضر رقم 3890 لسنة 2017 إداري قسم شرطة الهرم، واحتجازه دون إذن قضائي، وتزويره لهذا المحضر. انتقلت النيابة وبصحبتها شقيق المجني عليه إلى القسم، مساء الأربعاء الموافق 8 مارس/ آذار 2017، لمعاينة محل حجزه والذي ثبت مطابقته لأقواله من حيث الوصف وملاصقته لمحل حجز شقيقه المتوفى، وأثناء إجراء المعاينة تم التقابل مع المحتجزين، والذين شهدوا جميعا بصحة الواقعة. وتم إجراء عملية التصوير الفوتوغرافي للمتهمين الستة الأوائل أثناء استجوابهم بمعرفة أحد خبراء مصلحة تحقيق الأدلة الجنائية وذلك لعرضهم على شهود الواقعة، وتم العرض على شقيق المجني عليه فتعرف على صورة المتهم الأول وحتى الثامن، واتهمهم بقتل شقيقه تعذيبا، كما تم عرض الصور على صديق المجني عليه فتعرف على المتهمين الثاني والخامس والسادس، كما تم العرض على والدة المجني عليه والمحتجزين في القسم والذين تعرفوا عليهم أيضا.

وانتهت تحقيقات النيابة التي باشرها المستشار محمد خالد عوض وكيل النائب العام بنيابة حوادث جنوب الجيزة، تحت إشراف المستشار حاتم فاضل المحامي العام الأول لنيابة جنوب الجيزة، باكتشافها قيام المتهمين خلال الفترة من 13 فبراير/ شباط 2017 وحتى 6 مارس/ آذار 2017، بتعذيب المجني عليه داخل قسم شرطة الهرم حتى الموت، لحمله على الاعتراف بارتكاب جريمة قتل جدته وسرقة مصوغاتها الذهبية في جناية القتل رقم 2770 لسنة 2017 إداري قسم الهرم، وقيامهم بتقييد المجني عليه وتعليقه بنافذة إحدى غرف وحدة البحث الجنائي، وتناوبوا تكرار التعدي عليه أثناء فترة احتجازه ركلا ولكما وصفعا بالأيدي باستخدام عصي وصواعق كهربائية بمواضع شتى بعموم جسده، فيما صلبه المتهم الثاني (وكيل مباحث القسم) وقيد جسده في قطعة خشبية. واتهمتهم النيابة باحتجاز المجني عليه وأقاربه بدون أمر أحد الحكام المختصين بذلك، وبغير الأحوال المصرح فيها بالقبض على ذوي الشبهة، واقتادوه لقسم شرطة الأهرام، وحجزوه مقيدا لمدة جاوزت 20 يوما، فيما نسبت للمتهمين الثاني (وكيل مباحث القسم)، والثالث (رئيس المباحث) تهمة هتك عرض المجني عليه بالقوة بعدما جرداه من ملابسه وكشفا عورته وأبقياه عاريا على مرأى منهما ومن المتواجدين بوحدة البحث الجنائي بقسم الشرطة. 

ووسط هذه الشهادات والوقائع، أصدر القاضي المصري حكمه ببراءة المتهمين؛ الضباط الستة والشرطيين، دون أن يوضح الأسباب والحيثيات التي استند إليها لإصدار مثل هذا الحكم.