مصر.. الهوية النقابية ومراجعات الإخوان

22 أكتوبر 2017
الصورة
+ الخط -
على الرغم من الاختلاف في الرؤى، إلا أن حالةً من الوعي العام لدى أطباء مصر أدت إلى انتصار "قائمة الاستقلال" التي يمثلها النقيب حسن خيري والأمين العام للنقابة إيهاب الطاهر ووكيل النقابة منى مينا. فمن بين 156 ألف طبيب، توجه 7% منهم إلى الانتخابات النقابة، بواقع 10542 طبيبا، وترتفع هذه النسبة مع استبعاد الأطباء في الخارج لتبلغ 13% من الأطباء المقيمين داخل حدود مصر، ومع ذلك؛ كانت تلك النسبة كافية لفوز "قائمة الاستقلال". ويبدو العامل الأكثر تفسيرا هنا، بطبيعة الحال، تلك الشريحة التي لم تدل بصوتها.
يمكن القول إن الاتجاه العام في الانتخابات تمثل في غياب القوائم الانتخابية، فيما عدا "قائمة الاستقلال"، وإن لم تكن تلك القاعدة بدون استثناءات، ففي بعض المحافظات ظهرت قوائم أخرى منافسة، واستولت على كامل الأصوات في تلك المحافظات، منها "قائمة البناء" في محافظة دمياط، و"قائمة التغيير" في محافظة البحيرة، وهو ما يثير التساؤل عن مدلول هذا المؤشر.
وتقديري أن النسبة الممتنعة عن التصويت، وتلك التي رفضت تشكيل قوائم أخرى، ربما ضنت على الدولة بما ارتأته في هزيمة "قائمة الاستقلال" من مغنم سخي بدون مقابل، يمنحه الأطباء لوزارة الصحة التي تعنتت في التعاطي مع المطالب الضئيلة للأطباء، كما تعنتت في بسط الحماية لهم، ضمن وقائع التعدّي التي تعرض لها بعض الأطباء في الدورة الماضية من دورات عمل النقابة، إلا أن رفض منح الدولة هذا المغنم ارتبط كذلك بتحفظ حيال نهج النقابة الذي يدعم نموذجا للاستقلال، يرونه يعادي الدولة، ويستعديها على مستحقات الأطباء، وهي رؤيةٌ لا علاقة لها بمجريات الأمور. ولهذا، اتجه قطاع واسع من الأطباء إلى نهج الامتناع عن التصويت بديلا عن إجراءات التصويت العقابية، ومنحوا أنصار تيار الاستقلال الفرصة لدعم مرشحيهم، في رسالةٍ مزدوجة لكل من السلطة والنقابة.
غير أن ثمّة دورا لم تدركه "قائمة الاستقلال" أيضا ربما أثر على عملية التصويت، وهو الدور المتعلق بتثقيف الأطباء حيال مشروع "قائمة الاستقلال"، وطبيعة مواجهاتها الراهنة. خبرة
 "قائمة الاستقلال" تأتي بعد تجاوز خبرة جماعة الإخوان الإسلاميين في العمل النقابي؛ إلى حين، حيث حرص التيار الجديد على بعث "مشروع هوية نقابية جديدة"، تركز على ما هو مهني وخدمي، وتتخلص من نمط "التمترس الأيديولوجي" الذي ساد العمل النقابي خلال بعض فترات العمل النقابي الذي قاده نقابيون من جماعة الإخوان. من الطبيعي أن يكون الدور التثقيفي الخاص بالمشروع الهوياتي الجديد حاضرا بقوة، وملموسا، ليوسع من دائرة الوعي بأهمية رفض هذا "التمترس الأيديولوجي"، إلا أنه لم يكن كذلك. ربما كان ذلك بسبب رغبة تيار الاستقلال في الحفاظ على تماسك النقابة، خشية أن تؤدي التوعية بـ"الهوية النقابية" ودواعيها ومراميها إلى خسران أصوات الأطباء ذوي الميول الإسلامية، وربما كان الامتناع عن هذا النشاط التوعوي امتدادا لنهج رفض تسييس العمل النقابي، وهما معا يقعان ضمن ما اصطلح على تسميتها "أزمة إدارة التغيير". وتمثلت محصلة هذه الأزمة في إضعاف موقف "قائمة الاستقلال" بسبب "التصويت العقابي"، فالمتبقي أن تضغط وزارة الصحة قليلا في محاولةٍ لدفع جموع الأطباء لرفض التجربة برمتها.
نهج "الهوية النقابية" ليس معاديا للإخوان، كما أنه ليس معاديا للدولة (بالمفهوم الطبيعي لمصطلح الدولة)، إنه نهج جامع، يبعث رسالة إلى الجميع، مفادها بأن الجميع يمكنه الاختلاف سياسيا وثقافيا خارج النقابة، لكن الاختلاف لا يلغي حقيقة أننا كلنا أطباء، وأن نقابة الأطباء تجمع أبناءها، ولا تستورد خلافاتهم خارجها إلى دارها، بل على الأطباء أن يتركوا هذه الخلافات على أعتاب النقابة. هو نهجٌ يهدف إلى الحفاظ على قوة المجتمع وتماسكه، نهج لا يسمح للاختلافات الرأسية في المجتمع على أسس سياسية أو ثقافية بتمزيقه، حيث تبقى روابط أفقية وبينية تجمع المختلفين، وترتب لهم مصالح مشتركة تجمعهم مجدّدا، فتحفظ الاختلاف ولا تلغيه، لكنها تعيد دعم روابط المجتمع، بحيث لا ينشطر رأسيا على النحو الذي تعانيه مصر اليوم.
ربما تلقت الرؤية الهوياتية النقابية دعما من السجال الثقافي العالمي، وخصوصا أطروحات 
أمارشيا سن وروبرت بوتنام وحتى يوريجن هابرماس، إلا أن النتيجة خلص إليها نقابيو جماعة الإخوان المسلمين كذلك قبل عقدين؛ وإنْ على خلفية عملية براغماتية، وكان لي شرف المشاركة في هذه المراجعة الرائعة في النصف الثاني من عقد التسعينات، حيث كنت آنذاك باحثا في المركز الدولي للدراسات، والذي أسسه المهندسان أبو العلا ماضي ومحمد السمان، وكان لكل منهما مشروع حزب قيد التأسيس، أحدهما مثل انشقاقا عن الجماعة (حزب الوسط) وكان وكيل مؤسسيه المهندس أبو العلا ماضي، وثانيهما حزب أريد بتأسيسه دعم جهود جماعة الإخوان في العمل العام (حزب الأمل)، وكان وكيل مؤسسيه المهندس محمد السمان، ولم تستمر شراكة الصديقين كثيرا في المركز، حيث أدى اشتعال الخلاف بين "الإخوان و"الوسط" إلى العصف بهذه الشركة، وتخارج المهندس السمان من ملكية المركز.
وقبل فض الشراكة، كان قسم النقابات يجري مراجعة حول "نهج المغالبة" الذي كانوا يتبعونه آنذاك، والذي استبان لهم أنه نهجٌ لا يعني الفوز فقط، بل يعني أمرين آخرين؛ أنه نهج "يقضي على الآخر" ولا يكتفي بهزيمته، وأنه "يترك الإخوان في النهاية بمفردهم في مواجهة تغول الدولة"، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الانفراد أن الدولة لم تكن تسحقهم وحدهم، بل كانت تسحق العمل النقابي أيضا.
ألغى قسم النقابات "سبعيني الجيل" اجتماعات التحضير المغلقة التي كانت تسبق اجتماعات مجالس النقابات، وبدأوا يصرّون على حضور الأعضاء غير الإسلاميين المنسحبين من اجتماعات مجالس النقابات، واكتشفوا أن خلافاتهم وهموم بعضهم كانت تتقاطع مع اختلافات غيرهم وهمومهم أيضا، وبدأت خبرة تفاعل خلاق بين الطرفين، ولكن لم يكتب لها الاكتمال بسبب تخوف الدولة من النهج الجديد ومآلاته، فضلا عن تجدد بنية الإخوان المسلمين بسبب فهم خاطئ للديمقراطية الداخلية، ما قاد إلى زيادة عملية الترييف والتسلف في بنية عضويتها، وتعمق ضيق التنظيم إثر ذلك بالصوت الآخر، وساهم كلا المتغيرين (ضيق الدولة وضيق الإخوان) في العصف بمراجعة "الهوية النقابية".

دلالات