مصر: النظام ينوي خفض سن تقاعد القضاة لإطاحة المستقلين

23 يناير 2017
الصورة
خفضُ سن تقاعد القضاة سيثير حفيظة الآلاف منهم(أحمد رمضان/الأناضول)
+ الخط -

بعد ساعاتٍ من الكشف عن حكم محكمة جنايات القاهرة بإدراج نجم كرة القدم المعتزل، محمد أبوتريكة، ونحو 1530 شخصاً على قائمة الإرهاب بزعم انتمائهم أو تأييدهم لجماعة "الإخوان المسلمين"، انتشرت في الأوساط القضائية معلوماتٌ عن استعداد الدائرة الاستخباراتية-الرقابية المحيطة برئيس النظام المصري، عبدالفتاح السيسي، لتمرير مشروع قانون جديد لخفض سن تقاعد القضاة إلى 68 عاماً بدلاً من 70 عاماً، لمنع أحد القضاة المنتمين لتيار "استقلال القضاء" من بلوغ منصب رئيس محكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى. ومن المقرر أن تتحول قضية إدراج أبوتريكة وقيادات جماعة "الإخوان" من ساحة القضاء الإداري إلى محكمة النقض. وخلال العام المقبل أو الذي يليه، من المقرر أن يترأس محكمة النقض المستشار أنس عمارة، المعروف بانتمائه لتيار "استقلال القضاء" وبعلاقته الوطيدة بالرئيس الأسبق لمحكمة النقض، رئيس الجمعية التأسيسية التي وضعت دستور 2012، المستشار حسام الغرياني، الذي يعتبره نظام السيسي قاضياً "إخوانياً"، وتم إبعاد جميع المقربين منه عن المناصب القيادية التي كانوا يتولونها في وزارة العدل. لكن عمارة لن يتولى منصبه بالتعيين، بل وفقاً للأعراف والتقاليد باعتباره سيكون أقدم قضاة محكمة النقض. ولذلك تفكر السلطة في منعه بقوة القانون، بواسطة خفض سن التقاعد عامين كاملين، وهو ما سيعني، إذا تم إقرار هذا المقترح، إحالة جميع القضاة الذين يبلغون من العمر 68 عاماً وما فوق، إلى التقاعد ومن بينهم عمارة.

وفي هذا السياق، طلب محامي الحكومة من المحكمة الإدارية العليا إحالة قضايا التحفظ على الأموال من مجلس الدولة إلى محكمة الجنايات، إلاّ أن المحكمة قررت إعادة فتح باب المرافعة في القضايا المنظورة أمامها بجلسة 25 مارس/آذار المقبل. وقالت مصادر قضائية بمحكمة النقض إن "هناك علاقة بين انتقال ملف متأزم كملف أموال الإخوان المتحفظ على (أموالها) من دون سند قانوني منذ 2013 وبين رغبة النظام في إبعاد عمارة عن رئاسة محكمة النقض". وأشارت إلى أن "وجود عمارة في هذا المنصب سيكون له تأثير على القضية، سواء نظرها بنفسه أو أحد قضاة النقض الآخرين"، وفق المصادر. وأكدت أن نشر هذه المعلومات بعد صدور قرار الجنايات يعتبر ضغطاً على كبار قضاة محكمة النقض الذين ستعرض عليهم طعون المدرجين على قائمة الإرهاب، وذلك ليصدروا أحكاماً بتأييد إدراجهم على تلك القائمة، ومن ثم استمرار التحفظ على أموالهم تحت إدارة اللجنة التابعة لوزارة العدل، كما ذكرت المصادر.

وبيّنت المصادر القضائية أن لجوء النظام لاستصدار قرارات من محكمة الجنايات بإدراج المتحفظ عليهم على قائمة الإرهاب "جاء تعبيراً عن قرار سياسي بعدم الإفراج عن الأموال التي تم التحفظ عليها أياً كانت النتائج، واستمرار وضع يد الدولة على المدارس والمصانع والمستشفيات والمتاجر التي تم التحفظ عليها وإسناد إدارتها لشركات حكومية أو لوزارات، مع استمرار التحفظ على الأموال السائلة بالبنوك أيضاً". ولفتت إلى أن ذلك "يتطلب عدم تنفيذ أي حكم أصدرته محكمة القضاء الإداري لصالح الأشخاص المتحفظ على أموالهم".


وأضافت المصادر أن "عمارة كان المقصود أيضاً من المشروع الذي ناقشته اللجنة التشريعية في مجلس النواب الشهر الماضي لتغيير نظام تعيين رؤساء الهيئات القضائية، وجعل الأمر بيد رئيس الجمهورية بدلاً من اتباع نظام الأقدمية المطلقة". لكن "ظهور المشروع في وقت متزامن مع نظر قضية جزيرتي تيران وصنافير بالمحكمة الإدارية العليا، أعطى انطباعاً بأن المستهدف من المشروع هو منع المستشار يحيى دكروري، صاحب حكم أول درجة ببطلان التنازل عن الجزيرتين، من تولي رئاسة مجلس الدولة في يوليو/تموز المقبل"، على حد تأكيد المصادر.

وفي السياق ذاته، ذكر مصدر في وزارة العدل أن "دوائر النظام التي تروج لخفض سن تقاعد القضاة تسعى لإبعاد عمارة عن رئاسة محكمة النقض". وتابع أن هذه الدوائر "تسعى أيضاً للضغط على كبار القضاة لتكون أحكامهم في السنوات الباقية لهم متماشية مع رغبات النظام". وأشار إلى أن شقيق السيسي، المستشار أحمد السيسي، يعرف جيداً المستشار عمارة وتوجهاته المخالفة للحكومة، باعتبار أن شقيق السيسي هو أحد نواب رئيس محكمة النقض. ورأى المصدر أن مشروع خفض السن سيثير حفيظة آلاف القضاة، كما حدث عندما نوقش مشروع مشابه في عهد الرئيس المعزول، محمد مرسي. إلاّ أن "النظام قد يغلفه إعلامياً بعدة اعتبارات كالاستجابة لشباب القضاة الذين يطالبون بخفض سن التقاعد تدريجياً لرفع كفاءة إدارة الهيئات القضائية، أو تخفيض التكاليف المالية بتخفيض عدد القضاة بصفة عامة"، وفق المصدر نفسه.

وفي هذا السياق، أشار المصدر إلى أن ملف قضايا التحفظ على الأموال أصبح من أهم الملفات بالنسبة للنظام حالياً، لأن الدولة لا تريد الإفراج عن الأموال والكيانات التي تحفظت عليها بسبب ضعف الموارد الاقتصادية للدولة، وتحقيقها مكاسب من هذه الأموال، وفي نفس الوقت تكبدت كيانات أخرى متحفظ عليها خسائر مالية فادحة. وأضاف أنه في الحالتين قد تدفع الدولة أموالاً طائلة كتعويضات في حال صدور قرارات ببطلان التحفظ، فضلاً عن خروج هذه الأموال من ولايتها، وفق قول المصدر.

وكشف المصدر عن أن ملف الأموال أيضاً سيكون له انعكاس جزئي على التعديل الحكومي المرتقب في حكومة شريف إسماعيل. ومن المنتظر الإعلان عن هذا التعديل في نهاية الشهر الحالي. وقال إن "المعلومات المتوافرة تؤكد أن وزير الشؤون النيابية، مجدي العجاتي، سيغادر منصبه، ومن بين أسباب الإطاحة به اتخاذه موقفاً سلبياً من مشروع القانون الذي وضعته وزارة العدل لتحويل لجنة الأموال القائمة حالياً إلى لجنة قضائية وإبعاد مجلس الدولة عن الرقابة عليها وإسنادها لمحكمة الأمور المستعجلة المعروفة بأحكامها المساندة للحكومة"، على حد قول المصدر.

ورأى المصدر أن "عرقلة العجاتي لهذا المشروع من خلال علاقاته بمجلس الدولة وبعض نواب البرلمان، أثارت غضب وزير العدل، حسام عبدالرحيم، الذي شكاه صراحة لرئيس الوزراء وعدد من المقربين للسيسي". وخلص إلى أن "هناك اتجاهاً لاختيار وزير الشؤون النيابية الجديد من بين القضاة الحاليين أو السابقين بالاستئناف أو النقض، وليس من مجلس الدولة، بسبب معارضة قضاة مجلس الدولة لكثير من تصرفات الحكومة وعرقلة مشروعاتها"، بحسب تأكيده.

المساهمون