مصر التي في جزيرة الورد

مصر التي في جزيرة الورد

27 يوليو 2017
الصورة
+ الخط -
مصر وهي تعرج على عكازين في مستشفى حكومي، بلا دم ولا أكسجين ولا ممرضات، غير مصر التي تمشي فيها لميس الحديدي، من مؤتمر إلى مؤتمر ومن طائرة إلى طائرة. مصر السجل المدني في حلوان غير مصر شرم الشيخ أمام الكاميرا. مصر جزيرة الورد غير مصر جزيرة الورّاق. مصر باعة الزهور في الزمالك غير مصر باعة الكلى في عيادات باب اللوق. مصر "على الماكيت" في المؤتمرات التي حدّد لها زورا أن دخلها سيكون 180 مليار دولار سنويا، وغنّى فيها محمد منير محاطا بصبايا الإعلانات والخير، غير مصر طفح المجاري في عزبة خيرالله أو الحكر أو العزبة القبلية أو البحرية.
ومصر حسام حسن وإبراهيم حسن وحسين حساسين وضحكة نبيلة عبيد التي ترنّ في قيشاني الاستديو غير مصر ابنة البواب التي تفوقت في الثانوية العامة، على الرغم من أنف مهندسي صفقات القرن، وصفقات بيع جزيرة الوراق لرجال الأعمال وفرق أبو لمعة وساعة لقلبك ومزيكا طلعت حرب عائد، فهل سيعود طلعت من جزيرة الوراق أم من دبي؟
مصر صباح الخير حول عربات الفول في المرج غير مصر كآبة رجال البنوك، وتعويم الجنيه، وقصة شعر لميس الحديدي المنطورة في الهواء عمدا (بعد خمسين سشوار يدفع أتعابها رجال الأعمال من دماء الغلابة)، وهي تقول من سنتين: "هنعوّم الجنيه يعني هنعوم، مفيش حل غير كده"، وكأنها (لميس) مزروعة في الاستديو فقط للكيد بالغلابة، ولم يسلم من لسانها حتى سكان جزيرة الورّاق الغلابة. مصر ريهام السهلي، وهي تنتقل بالكاميرا في أروقة قصر الاتحادية في الاجتماعات، غير مصر بولاق أبو العلا، وقد أحاطت الدبابات عششها ودكاكينها الفقيرة. مصر بعدسة بقلوظ نجوى إبراهيم واستديو ماما نجوى غير مصر خنق الطيبين في سيارة الترحيلات من "رابعة العدوية" بلا نسمة هواء ولا ماء.
مصر القصائد والقصص في كتب الكتاب والفنانين، وقد وقفوا صفوفا في انتظار جوائز الجنرال (التشجيعية والتفوق والتقديرية والنيل) غير مصر القطارات الفالتة عن قضبانها والمزلقانات التي بدون مزلقانات.
مصر الرغيف الذي وصل سعره، في المخابز الخاصة، إلى جنيه ونصف غير مصر الغناوي ودموع الجنرال وحنّوه على البنات الصغيرات، وهن يحملن الورد، أو حلق الحاجة سوسن أو خلخال الحاجة سنية من ورّاق العرب (والله ممكن يعملوها) في الأيام الجاية، فالمخرج لديه سيناريوهات عديدة لم تنفذ، وحبذا لو نفذها خيري بشارة كما نفذ فيلما دعائيا عن أطنان الفضة لدى الممثلة نبيلة عبيد. مصر التي في خاطري، وحكى عنها الجبرتي والمقريزي، وهزمت وسجنت في بيت ابن لقمان الكثير بالطبع، غير مصر التي ما زالت تتعنت في أمر إطلاق سراح قائد الأسطول السادس، ولا ترحم توسلات أولاده وعشيقته من واشنطن أو نيويورك، ولا حتى لألفين بوكيه ورد أرسلتهم عائلة ترامب إلى قصر الاتحادية، ولا قلب الرئيس عطف، ولا لان عن الحق قيد أنملة.
مصر معارض الزهور في الربيع فوق كوبري قصر النيل، حيث المراكب والأشرعة وأضواء الفنادق في الليل، والغناء الوطني جدا والقومي لسمير الإسكندراني وسمير صبري، ومقالات سمير رجب وفلافله الوطنية، وبلاغات المحامي سمير صبري حاليا ضد الخارجين على القانون والملة والأخلاق، غير مصر الطيبين في موالد الأولياء حول السيد البدوي والفولي أبو سليمان والشيخ أحمد أبو كف. ومدد يا شيخ "محمد كشيك"، يا ساكن الورّاق. فما زال يزرع الورد على سور بلكونته في الورّاق، ويكتب القصائد عن الورد البلدي الذي "فتّح في جناين مصر"، بعدما رقص شعراؤها على "تسلم الأيادي" باللاسة الحرير في قنوات رجال الأعمال. ومدد يا ساكن الورّاق.