مصر التي أخرجتنا من غرفة الإنعاش

21 سبتمبر 2019
نحن من اعتقدنا أنَّ مُجرد إرادة النهوض الجماعي، هو أمر كافٍ لإحقاق التغيير، نقلقُ من كلفة التفاؤل، لأننا رأينا أكثر من ثلاثين ألف طفلٍ ميَّت، وأجنَّة أُخرِجَت من أرحام أمّهات موتى، ومجانين عُذِّبوا، وجثثًا عائمةً لأفواج من الغرقى في منتصف زرقة البحر.

نحن من رأينا صوراً لموتى جوّعوا، شُفَّت أجسادهم بالذوبان، حتَّى تلاشت المسافة بين الجلد والعظم. صرنا نخاف من الحشود في الشوارع، لأنّنا نتخيَّلهم إما موتى أو مشوّهين أو مذعورين أو مختفين أو لاجئين أو بائسين ينكرون أنفسهم.

نخاف من إبداء التضامن، خوفًا من اتهامنا بعضنا البعض بالرومانسية والفشل السياسي وعدم التعلُّم من "دروس التاريخ". نخشى لفظة "الحرية" خوفًا من "انعدام الأمن"، وصارت كلمة "الثورة" تعني لدينا حتمًا "حربًا أهلية"، حتَّى صارت لفظة الثورة غير محبّبة، ووصمة تدلّ على "الشعبويّة" و"الحماس الطائش". لكثرة من تدخّلوا فينا، صار بعضنا يشكّك بإرادة أي حشد، فإما هو تمثّل واقعي لـ"صراع فوقي بين القوى"، وإمّا هي دورة أخرى من التبادل بين الرجعية الإسلامية والبوط العسكري، كما يرون.

لكثرة من سحقوا إرادتنا، صارت ثقة بعضنا بقدرة الإرادة معدومة. حوّلونا إلى خائفين يحدّقون إلى العدم. من يدّعي أنَّه يرى مستقبل الآخرين من خلال ماضينا فقط، هو ليس تقدميًا عقلانيًا واقعياً، بل هو يسقط ماضينا على مستقبل الآخرين، هو فقط يعيش في الماضي، كأيّ سلفي.

أي مظاهرة في مصر ضد النظام هي مكسب. السيسي "بسفالته" يمثّل روح الثورة المضادة التي هزمت لحظات الربيع العربي الأولى. تشكيل تحالف مع السعودية، التطبيع مع إسرائيل من موقع العمالة، التقرب من الغرب عبر أيديولوجيا "الحرب على الإرهاب"، احتقار الشعب المصري أمام فرنسا بعبارة "حقوق الإنسان لا تصلح عندنا". أي مظاهرة في مصر هي دحض لكل النظريات "السافلة" حول أولوية الاستقرار، وهي ضربة لكارهي التغيير في المنطقة من ممانعين وإسلاميين.

أي مظاهرة في مصر هي إعادة الروح لنا، نحن من اعتقدنا أن كل شيء قد فشل، ولن نُذكر في التاريخ سوى كقصة حزينة عابرة.