مصر: التحالفات الانتخابية فشلت والانتخابات البرلمانية إلى التأجيل

مصر: التحالفات الانتخابية فشلت والانتخابات البرلمانية إلى التأجيل

28 اغسطس 2014
الصورة
النظام المصري يماطل في تحديد موعد الانتخابات (محمد عبد/Getty)
+ الخط -



تسيطر حالة من الانقسام والضبابية على الدوائر الرسمية المصرية، بسبب فشل جميع عرّابي رسم خريطة البرلمان المقبل في تشكيل تحالفات انتخابية تضمن كسب أكبر عدد من المقاعد وتحقق اﻻستقرار للمجلس النيابي حتى اﻵن.

ويُقصد بـ"اﻻستقرار" في أوساط هذه الدوائر تكوين برلمان ﻻ يتصادم مع رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، وﻻ يقف عائقاً أمام قراراته وﻻ يستخدم السلطات الواسعة التي منحها الدستور للسلطة التشريعية في تخفيف وتيرة إصدار القوانين وتنفيذ مشاريع الحكومة.

وبدأت محاوﻻت تشكيل تحالفات في اﻷحزاب العلمانية، المُسمّاة "مدنية" في مصر، لتكون جاهزة لخوض اﻻنتخابات وقطع الطريق على أي عودة محتملة لتيار اﻹسلام السياسي، بدأت في عهد الرئيس المؤقت السابق، عدلي منصور، حين عرض رئيس لجنة "كتابة الدستور"، عمرو موسى نفسه، لمنصور والسيسي على أنه الشخص الوحيد القادر على لعب دور رئيس البرلمان المقبل، بما في ذلك قيادة تحالف انتخابي قوي يحصد الأغلبية التي تتماشى مع سياسات النظام.

وخاض موسى حرباً سرية عنيفة، لتقسيم توزيع المقاعد بين "الفردي" و"القوائم المغلقة" بما يضمن تحقيق خطته، واستطاع إقناع منصور قبل تركه الحكم، بزيادة عدد مقاعد القوائم إلى نحو 23 في المئة بدلاً من 20 في المئة، على اعتبار أن أعضاء اﻷحزاب الليبرالية التي أيّدت انقلاب 3 يوليو/ تموز 2013، ﻻ يحظون بشعبية فردية عالية في الدوائر، وأن فرص فوزهم تزداد في انتخابات القوائم، كما حدث مع حزبي "الوفد" و"الإصلاح والتنمية" في انتخابات 2011.

إﻻ أن صدور القانون لم يكن نهاية المطاف، فقد تعثّر تشكيل تحالف انتخابي برئاسة موسى، بسبب ظهور اﻷحزاب الخارجة من بوتقة الحزب الوطني المنحل وتشكيلها تحالفاً آخر، وكذلك بسبب رفض اﻷحزاب، من يسارية وقومية، أجندة موسى.
وكشفت مصادر سياسية مطّلعة، لـ"العربي الجديد"، أن "هذا التعثر هو السبب الرئيسي في عدم بداية إجراءات اﻻنتخابات البرلمانية حتى اﻵن، فالسيسي ومساعدوه ﻻ يرون خيراً في برلمان غير متّفَق عليه سلفاً، ولو بنسبة معتبرة، خشية المفاجآت التي قد تصدر منه أثناء ممارسة دوره الرقابي تجاه رئيس الجمهورية والحكومة.

فدور المجلس الآن يتخطى الأطر القديمة، إلى ضرورة إبداء رأيه في العديد من القرارات الحساسة التي كانت توصف من قبل بـ"السياسية والسيادية"، بدءاً من إعلان الحرب وانتهاء بإقالة الوزراء.

وأوضحت المصادر أن "الفترة اﻷخيرة شهدت إعادة تقديم رجال الحزب الوطني القدامى، المعروفين بقربهم من نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، أنفسهم مرة أخرى لدوائر الحكم، كأشخاص قادرين على رسم خارطة البرلمان، دون أن يصيبه توغل الإسلام السياسي والعناصر المعارضة المزعجة".

ويتركز وجودهم في دوائر القاهرة التقليدية، بالإضافة إلى الدوائر الريفية، في الصعيد والدلتا، وهم منضمون حالياً بشكل مبدئي إلى تحالف "تحيا مصر" الذي يديره وزير الداخلية اﻷسبق، أحمد جمال الدين، والمؤيد بشكل مطلق للسيسي.

وتعتمد قيادات "الوطني" السابقة على النزعة العشائرية في توزيع المقاعد، بشكل أقرب لما كان عليه اﻷمر في عهد الأمين العام السابق، كمال الشاذلي، الذي قاد حركة الحزب انتخابياً بين عامي 1990 و2005، وهي الفترة التي كان الوطني يحقق فيها أكبر نسبة مقاعد مع ترك هامش ضئيل للمعارضة.

وعبّر النائب السابق، مصطفى بكري، صراحة عن هذا الاتجاه العشائري في أكثر من مقام، كما انتشرت مقاﻻت صحافية تطالب بذلك في صحف خاصة وقومية.
وعلم "العربي الجديد" أن السيسي شخصياً غير متحمّس لهذه الدعوات، قياساً بصورة البلاد أمام العالم، وقد كان محدداً أن يكون لمصر برلمان قبل نهاية العام الجاري في أقصى تقدير، وفقاً لخطابات سابقة له ولسلفه منصور.

إﻻ أن فشل الوصول لصيغة برلمانية مريحة قد تجبر السيسي على تأجيل اﻻنتخابات لوقت أطول، خاصة أنه يستخدم سلطته التشريعية حالياً في اﻷمور ذات الطبيعة الملحة، دون معارضة تذكر، ودون رقابة.

وكانت الدعوات إلى تأجيل الانتخابات والاكتفاء بإدارة شؤون البلاد عن طريق رئيس الجمهورية، الذي يمتلك السلطة التشريعية في ظل غيبة البرلمان المنتخب، قد تزايدت في الأشهر الأخيرة.

ولم تكن دعوات تأجيل الانتخابات البرلمانية وليدة اللحظة، بل بدأت منذ قرار تغيير خارطة الطريق التي وضعها الجيش عقب الانقلاب على الرئيس المعزول محمد مرسي، وكانت تنص على إجراء الانتخابات البرلمانية قبل الرئاسية.

وخلال عمل لجنة الخمسين لوضع الدستور المعدل، وضعت مادة تنص على إجراء انتخابات برلمانية، يعقبها إجراء الانتخابات الرئاسية، إلا أن مطالبات ظهرت فجأة من عدد من الأعضاء بتقديم الانتخابات الرئاسية على البرلمانية.

وخلال الجلسة الأخيرة للجنة للتصويت النهائي على مواد الدستور، لم تحصل تلك المادة على الأغلبية اللازمة لتمريرها، وعدلت اللجنة في اللحظات الأخيرة المادة التي أتاحت لرئيس الجمهورية المؤقت، عدلي منصور، حق تحديد أيٍ من الانتخابات تجري أولاً.

وقرر منصور تغيير خارطة الطريق، وإجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية رغم الاعتراضات الحزبية حينها. وطبقاً لدستور 2014، فإن البدء بإجراء الانتخابات البرلمانية، كان من المفترض أن يتم قبل يوم 18 من شهر يوليو/ تموز الماضي، إلا أن السلطة في مصر فاجأت الجميع باعتبارها أن تشكيل اللجنة العليا للانتخابات وعقدها لاجتماع واحد، يعتبر بمثابة بدء لإجراءات الانتخابات، وهو ما أعطى المؤشرات على الرغبة في المماطلة بتأجيلها.
لم يكن عدم تحديد موعد الانتخابات، حتى الآن، هو المؤشر الوحيد على الرغبة في التأجيل، إذ إن هناك عدداً من المؤشرات الأخرى، أهمها عدم إصدار قانون تقسيم الدوائر الانتخابية، الذي ستجري الانتخابات وفقه، وعدم إصدار أي تصريحات من طرف أي مسؤول رسمي حول أسباب عدم صدور القانون حتى الآن.

وجاء تشكيل لجنة الإصلاح التشريعي من قبل السيسي، التي تشكلت أخيراً وتتخذ من البرلمان مقراً لعملها، لمراجعة كل التشريعات واقتراح تعديلات على أي منها، واقتراح إصدار تشريعات جديدة، ما يعني أن اللجنة جرى تشكيلها للعمل لفترة غير قصيرة، وبالتالي فإن الجهة المنوط بها التشريع، أي "البرلمان"، لن تعمل في وقت قريب.

وتقول مصادر قضائية في اللجنة، إنها ستعمل على إنجاز اقتراحات القوانين قبل بدء عمل مجلس النواب، خصوصاً المتعلقة منها بالتشريعات الاقتصادية، مثل قانون الاستثمار الموحد، أو الأمن القومي، مثل قانون مكافحة الإرهاب.

وترجّح المصادر، التي تحفظت على ذكر هويتها، أن الاتجاه هو لتأجيل الانتخابات إلى مطلع العام الجديد، خاصة مع صدور وشيك لقرار رئاسي بتشكيل لجنة لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية.
من جهته، يستبعد مصدر قضائي في لجنة الانتخابات البرلمانية، تمديد الإجراءات إلى شهر فبراير/ شباط من العام المقبل، مؤكداً على أن اللجنة تعقد اجتماعاتها الدورية للإعداد لإجراءات الانتخابات، وأن التأخر بسبب الترسيم الجديد للمحافظات.

وخلال الأشهر الأخيرة، ظهرت دعوات من سياسيين مؤيدين للسلطة الحالية في مصر، إلى تأجيل الانتخابات البرلمانية، لعام على الأقل، بحجة عدم جاهزية الأحزاب المدنية، أو لتفادي نجاح أعضاء جماعة "الإخوان المسلمين"، وأعضاء الحزب "الوطني" المنحل.
وأبرز هؤلاء السياسيين، المتحدث باسم تحالف "العدالة الاجتماعية" الانتخابي، جمال زهران، الذي طالب بتأجيل الانتخابات البرلمانية لمدة عام، بحجة تجهيز البيئة السياسية، وتجهيز النواب المناسبين.

المطلب نفسه تحدث عنه منسق عام "حملة مصر بتناديك"، طلال الجمل، الذي طالب بتأجيل الانتخابات البرلمانية لمدة عام بدعوى عدم إرهاق ميزانية الدولة في صرف المليارات على العملية الانتخابية. وبرر الجمل مطلبه بالتخوّف من حصول بعض أعضاء جماعة "الإخوان" والجماعات الإسلامية على مقاعد في البرلمان.
من جهته، يعتبر رئيس لجنة الخمسين، عمرو موسى، أن كثرة الكلام عن تأجيل انتخابات البرلمان، ذهبت بالبعض إلى المطالبة بصرف النظر عنها كليةً، منتقداً الحديث عن أن البرلمان "لا يعدو كونه ديكوراً يعجب الخارج، ولكنه يخرب الداخل".

ويضيف موسى، في بيان أصدره يوم الأربعاء، أن "هذا الحديث يعني الطعن في الحركة السياسية التي بدأت مع ثورة ٣٠ يونيو/ حزيران، وتبلورت في ٣ يوليو/ تموز تأييداً وتفويضاً للمشير السيسي، وأيضاً يعني المطالبة بإعادة النظر في المسيرة التي توافق عليها الشعب كله، بل وتهديدها بالتفكّك"، حسب قوله.

من جهته، يرى نائب رئيس "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية"، الدكتور وحيد عبد المجيد، أن الدستور نص على البدء في إجراءات الانتخابات البرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 6 أشهر، وهناك مَن يرى أن مجرد تشكيل لجنة الانتخابات هو بمثابة بدء في الاجراءات، والبعض الآخر يرى ضرورة في تحديد مواعيد الانتخابات كخطوة أولى لبدء الاجراءات.

ويشير عبد المجيد، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن النظام الانتخابي الحالي يجعل من البرلمان المقبل برلماناً يسيطر عليه أصحاب المال والنفوذ، وبالتالي لن يكون برلماناً قوياً ولن يحمل برامج أو أفكار جيدة.
بدوره، يقول الأمين العام للحزب "المصري الديمقراطي الاجتماعي"، أحمد فوزي، إن تأخر انتخاب "النواب" إلى العام المقبل، معناه أن خارطة الطريق لم تكتمل "بما سيؤثر سلباً على صورة مصر في الداخل والخارج"، مشيراً إلى خطورة غياب مراقبة في ظل عدم وجود البرلمان، واستمرار سلطة التشريع في يد رئيس الجمهورية، وهو ما يجعل من الدستور "مجرد حبر على ورق".






المساهمون