21 فبراير 2018
مصر إلى الانقلاب المضاد
فرز أوراق اقتراع في انتخابات السيسي (مايو 2014 Getty)
أما وأن المشير عبد الفتاح السيسي وصل إلى رئاسة مصر بنسبة قليلة من الأصوات، بعد مقاطعة واسعة من الشعب المصري لانتخابات الرئاسة التي أعقبت الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي، فإنه سيسرّح كثيرين من الخدمة، الأزهر الشريف وقيادة الأقباط وحزب النور السلفي والأحزاب الليبرالية المزورة والإعلام المأجور واليسار الذي أرعبته الديمقراطية... وكل من بارك الانقلاب على ثورة 25 يناير باسم طرد "الإخوان" من السلطة، وباسم ثورة مضادة أطلق عليها زوراً الثورة الثانية. كل هؤلاء سيجدون أنفسهم في عطلة سياسية مفتوحة، فلا دَيْن لأحد في عنق المشير، ما دام كل هؤلاء لم يقنعوا الشعب بإكمال المشوار، والتصويت بكثافة له.
سيجلس المشير على كرسي الرئاسة، وليس له من شرعية سياسية أو دستورية، غير شرعية البندقية التي استعملها في نزع السلطة من رئيس منتخب، أما الدستور الجديد، وخريطة المستقبل، والانتخابات الرئاسية، فإنها مجرد خيوط عنكبوت، لن تقوى على توفير غطاء من الشرعية الديمقراطية للنظام الجديد.
لقد صُدم العالم بقرار لجنة الانتخابات تمديدَ يومي الاقتراع يوماً إضافياً، في خرق فاضح للقانون، وصدم المتابعون بتهديد المصريين الذين قاطعوا مهزلة الانتخابات، والتلويح بتغريمهم، وربما محاكمتهم على الخروج عن الأمر العسكري، وعدم التوجه بكثافة، لمبايعة المشير.
ما هي السيناريوهات المفتوحة على المشهد المصري، الآن، وقد اكتملت حلقات الانقلاب العسكري، وفصول الثورة المضادة؟
السيناريو الأول يمكن تسميته (في انتظار الثورة الجذرية التي تقتلع الدولة العميقة من جذورها). وفي هذا السيناريو، سيعود السيسي بمصر إلى عهد حسني مبارك، أي إلى مرحلة ما قبل الثورة، وسيحاول أن يجمّل وجه نظام قبيح، بتجريب شعار (النمو الاقتصادي بدون ديمقراطية ولا سياسة)، وسيحاول توريط دول الخليج أكثر في الاستثمار في مشروع الثورة المضادة، من أجل تجفيف منابع "الإخوان" ومعهم كل مطالب بالديمقراطية، هذا سيقود الرئيس الجديد إلى القطيعة أكثر مع جماعة الإخوان وشباب الثورة، وبعض القوى التي بدأت تستيقظ من مخدر 30 يونيو.
ستقوى المظاهرات أكثر في الشارع، بعد أن يزول مفعول الخدعة التي نصبتها الدولة العميقة للمصريين، خصوصاً إذا استمر "الإخوان" على درب النضال السلمي، واقتربوا من تشكيل جبهة معارضة واسعة، ببرنامج جدي، ومعارضة جذرية لأخطاء المرحلة السابقة. هذا سيدفع النظام إلى المزيد من القمع، وإراقة الدماء، ومن ثمَّ يستبعد السيسي عن المصالحة، أو القابلية للبحث عن حل سياسي للأزمة، لأن رجال الأمن والجيش هم من سيكون عماد هذا الحكم، وهؤلاء سيخشون من المحاسبة والعقاب. وبالتالي، سيصلون إلى نقطة اللاعودة، في صراعهم مع خصومهم، ولن يتركوا فرصة أخرى، إلا نضج ثورة جذرية على الدولة العميقة، ولو بعد سنوات.
يحمل السيناريو الثاني عنوان: (من الثورة المضادة إلى الانقلاب المضاد)، وهو مبنيّ على استحالة أن يتمكن السيسي مع فريقه من قيادة 90 مليون مصري إلى بر الأمان، وأن المصريين لن يصبروا عليه أكثر من أشهر، ليكتشفوا أنه ليس فقط لا يمتلك برنامجاً انتخابياً لحملة لم يخضها، لكنه لا يتوفر على برنامج لقيادة مصر، والمؤسسة العسكرية في مصر كانت جزءاً من المشكل، ولا يمكن أن تتحول إلى جزء من الحل. ستتفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية أكثر، لأن من دعموا السيسي سيقفون طابوراً طويلاً ينتظرون قبض الثمن، وفيهم رجال أعمال فاسدون وشركات ومصالح أخطبوطية، رفع الانقلاب من سقف جشعها وطمعها في قوت الفقراء.
ستتفاقم الأزمة أكثر، وستعود الروح الثورية من باب المطالب الاجتماعية والفئوية، وهذا سيشل البلد في غياب حزب قويٍّ، يقوم بدور الوساطة بين الرئاسة والشعب، وهنا، سيطل ضابط أو جنرال من الجيل الجديد، وسيذهب رأساً إلى الوصفة نفسها التي جربها السيسي، وسينقلب على الرئيس، ويعيد العجلة إلى الوراء، وقد يفتح السجون ويخرج "الإخوان"، ويدعو إلى مصالحة جديدة، وإلى نظام لا هو بالديكتاتوري ولا هو بالديمقراطي، بل خلطة سلطوية ناعمة إلى أن ينضج المجتمع، ويعرف طريق المستقبل والخارطة الحقيقية له.