مصر أيضاً... أضخم حملة عالمية ضد التحرّش بالنساء

26 أكتوبر 2017
الصورة
تتكرر الحملات والحال نفسها (أحمد إسماعيل/ الأناضول)
+ الخط -

سلطت حملة عالمية أخيرة ضد التحرش، أطلقتها ممثلة أميركية عقب فضيحة منتج سينمائي معروف، الأضواء على هذه المشكلة الخطيرة خصوصاً مع السكوت عنها في بلدان كثيرة لا سيما في العالم العربي. مشاركة المصريات في الحملة كانت بارزة.

هل كانت النساء في مصر في حاجة إلى هاشتاغ (وسم) عالمي كي تتسنى لهن فرصة التعبير عمّا يلاقينه من تحرش جنسي في بلادهن؟ الإجابة هي "نعم" فقد كشفت عن ذلك المشاركة الواسعة من مصر، لوسم "أنا أيضاً" الذي أطلقته الممثلة الأميركية أليسا ميلانو عبر تغريدة على "تويتر" كتبت فيها: "إذا تعرضتِ أيضاً لتحرش أو اعتداء جنسي اكتبي أنا أيضاً، كردّ على هذه التغريدة" فالتحرش في مصر مسكوت عنه.

وعلى الرغم من أنّ التقارير المحلية والعالمية لا تكف عن الإشارة إلى المعدلات المخيفة للقضايا المجتمعية في مصر، تسود حالة من التجاهل بين فئات عريضة من الشعب المصري، تحت ستار "نحن شعب متدين بطبعه". كذلك، عقب مسؤولون مصريون في قطاعي الأمن والسياحة على المشاركة الواسعة لمصريات في وسم "أنا أيضاً" أنّها "تضر بسمعة مصر الدولية".

الوسم العالمي، شارك فيه رجال أيضاً، كان منهم الصحافي أحمد الشامي، الذي يتحدث عن التحرش مقابل موجات التبرير والنكران من قبل المجتمع. يقول: "منذ عامين وأنا أعدّ تحقيقاً أقابل فيه ضحايا تحرش أو اغتصاب من أفراد الأسرة. كنت كلّ فترة أقابل حالة صعبة أشعر معها أنّنا وصلنا إلى القاع، إلى أن قابلت 3 شقيقات. من صعوبة قصتهن وتعقيدها لم أتمكن من الكتابة عنهن ولا حتى في التحقيق نفسه". يتابع الشامي: "أعمارهن هي اليوم 21 عاماً و18 و17 من عائلة غنية من محافظة بعيدة عن القاهرة، اغتصبهن والدهن جميعاً بدءاً من الكبيرة إلى الصغيرة بتواطؤ من الوالدة".

بقيت القضية مكتومة إلى أن حملت الفتاة الصغرى من الأب، فجلبت داية (قابلة) إلى المنزل أجهضتها. لكنّ تلك الحادثة سمحت للفتيات بالهرب لانشغال الوالدين بالإجهاض والداية. هربن إلى القاهرة، وتمكنّ من الوصول إلى مكتب شكاوى المرأة الذي كان بإدارة الدكتورة فاطمة خفاجي (2000- 2002). كانت حالتهن الصحية خصوصاً الصغرى سيئة جداً، فخضعن للفحص الطبي لإثبات الاغتصاب، وكذلك إجهاض الصغرى. نتيجة التقارير الطبية أثبتت أنّ الفتيات الثلاث تعرضن إلى اغتصاب عنيف مع عنف جسدي في مناطق مختلفة، كما كانت لدى الصغرى مضاعفات صحية بسبب عملية الإجهاض مع حاجتها إلى رعاية مكثفة.




يعلق الشامي: "لم أكن أريد أن أتكلم عن هذه الحادثة. لكن، من الواضح أنّ المجتمع يدفن رأسه في الرمال وينكر على الضحايا ما يحصل معهم من تحرش واغتصاب. يجب أن يعرف الجميع أنّ مثل هذه الحوادث موجود داخل الأسرة من أقرب الناس، ولن تتحسن الحال إلاّ عندما نشجع الضحايا على رفع الصوت، مع الوقوف إلى جانبهم بتأمين سكنهم ومعيشتهم، بالإضافة إلى معاقبة الجاني".

من جهتها، أكدت الأستاذة المشاركة في علم النفس في الجامعة الأميركية بالقاهرة آن جيتس أنّ الكلام من الطرق التي من شأنها مساعدة من تتعرض للتحرش الجنسي. وقالت جيتس، خلال مشاركتها في المائدة المستديرة التي نظمتها الجامعة الأميركية بالقاهرة لمناقشة ظاهرة التحرش الجنسي في مصر، في مارس/ آذار الماضي، إنّ "الأهم هو أن نصدّق مَن تعرضت للتحرش الجنسي عندما تذكر أنّها تعرضت لتحرش لفظي أو جسدي لأنّ ذلك سيساعدها على الشعور بالأمان، وسيساعدها أيضاً على الاستمرار في مشاركة ما تمر به". أضافت: "تقديم الحبّ غير المشروط ودعمها ستكون له نتائج نفسية أفضل بكثير، ليس فقط للعائلة والأصدقاء بل أيضاً لزملاء العمل".

الرسالة نفسها تؤكدها المسؤولة الإعلامية عن مبادرة "احكي" لمناهضة التحرش الجنسي (مجتمع مدني) لتؤكد أنّ "الحكي هو الخطوة الأولى لحلّ المشكلة" وأنّ "المبادرة قامت في الأساس على فكرة تشجيع البنات على البوح بكلّ ما يتعرضن له من مضايقات وتحرش، من أجل كشف النقاب عن هذه الجريمة وإبرازها للرأي العام". تشير إلى أنّ "الحكي قادر على تحريك الرأي العام من أجل الضغط على المسؤولين لاتخاذ قرارات فاعلة تجاه هذه القضية الكبرى التي تعاني منها مصر على مدار سنوات".



النسب والأرقام تبرز حجم المشكلة، فوفقاً لدراسة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، فإنّ نحو 99 في المائة من النساء المصريات تعرضن لصورة ما من صور التحرش الجنسي. وفي دراسة أخرى أعدتها الهيئة، أشارت إلى أنّ 67.1 في المائة من العينة ذكرن أنّ كلّ البنات يتعرضن للتحرش، بغضّ النظر عن لبسهن أو شكلهن أو كلامهن أو مشيهن مثلاً. وأجابت 57.9 في المائة أنّ كلّ الأعمار عرضة للتحرش. وأجابت 81.2 في المائة أنّ جميع المتزوجات يتعرضن للتحرش. أما عن الطبقة الاجتماعية الأكثر تعرضاً للتحرش، فقد أجابت 87.7 في المائة من العينة أن كلّ الطبقات تتعرض للتحرش.

يشير بحث بعنوان "التحرش الجنسي في الشوارع المصرية: إعادة النظر في النظرية النسوية" أعدّه الأكاديمي هاني هنري، وهو أستاذ مساعد بقسم علم النفس ورئيس قسم علوم الاجتماع والإنسان والنفس والمصريات بالجامعة الأميركية في القاهرة، إلى أنّ النظرية النسوية تنص على أنّ المتحرشين يمارسون "تمييزاً جنسياً وليس فعلاً جنسياً". تتابع النظرية أنّه "يجب أن يُنظر إلى التحرش على أنّه تمييز جنسي يهدف إلى إخضاع المرأة وعدم تمكينها، ومعاقبتها على تنافسها مع الرجل للحصول على العمل والمراكز المتقدمة". وتدعو إلى إعادة النظر في التحرش على أنّه "تمييز للنوع يعكس رغبة الرجل في فرض سيطرته وخضوع المرأة، وهو أمر مقبول من المجتمع".

البحث الصادر في مارس الماضي، استند فيه الباحث إلى منهج نوعي يستند إلى تفسيرات النظرية النسوية لحوادث تحرش اعترف بها مرتكبوها بأنفسهم. وبعد إجراء مقابلات شخصية مطولة مع تسعة ذكور من شوارع القاهرة والجيزة، تحدث هؤلاء عن دوافع رئيسية للتحرش أبرزها: "التحرش خطأ المرأة. التحرش يأتي نتيجة لرغبة المرأة في العمل. التحرش عقاب إلهي للمرأة. التحرش بالنساء سببه القهر المجتمعي".

كذلك، تلفت هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة إلى أنّ أسباب التحرش في مصر هي: "البرامج الأجنبية الإباحية بنسبة 97.2 في المائة، ومشاهدة المجلات الجنسية بنسبة 97 في المائة، والأفلام السينمائية بنسبة 96.6 في المائة، والمقاطع الإباحية عن طريق الهواتف المحمولة بنسبة 96.2 في المائة".

دلالات

المساهمون