مصر أمام استحقاق ثوري جديد

22 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
أجّلت الأمم المتحدة مؤتمراً لمناهضة التعذيب، كان من المفروض أن يعقد في القاهرة في الرابع والخامس من شهر سبتمبر/ أيلول الحالي، وخضعت سلطات الأمم المتحدة إلى ضغوط ناشطين في مجالات حقوق الإنسان، اتهموا المنظمة الأممية بمحاولة التغطية على انتهاكات السلطات المصرية بعقد المؤتمر على بعد مسافة قليلة من الأمكنة التي يتم فيها التعذيب والتوقيف والإرهاب. قال منظمو المؤتمر إنهم يرغبون بعقده في المنطقة المعنية، من دون أن يعني هذا تبرئة لأحد، ومع ذلك تأجل المؤتمر، ولم يبقَ إلا خيبة أمل السلطة التي التزمت الصمت، لكن رداً متأخراً غير مقصود، ربما، ورد على لسان عبد الفتاح السيسي، حين قال: "المنظور الغربي لحقوق الإنسان يجب ألا يطبق في مصر"، من دون أن يحدد أي منظور لحقوق الإنسان يجب أن يطبق.
بشكل غير متوقع، استجاب أول أمس الجمعة ناشطون ومواطنون مصريون لدعوات إلى التظاهر أطلقها المقاول محمد علي الذي هدد الرئيس السيسي، ودعاه إلى الرحيل من تلقاء نفسه. وركّزت المظاهرات في عدة مدن مصرية في شعاراتها على كلمة "ارحل". ويُرجع محللون ما حدث إلى أسباب عديدة، ليس الاقتصاد المتدهور الوحيد فيها، فالتعديل الدستوري الذي جرى لضمان بقاء السيسي في السلطة حتى عام 2030، وزج الفريق سامي عنان في السجن ليقضي عقوبة عشر سنوات، بعد أن أعرب عن نيته في الترشح للرئاسة في إبريل/ نيسان الماضي، والاتهامات التي طاولت نظام السيسي في شن حملة إعلامية واسعة ضد معارضيه قبل انتخابات 2018، كما لعبت حادثة وفاة الرئيس السابق محمد مرسي في السجن في ظروف ملتبسة، كثر الكلام فيها عن سوء معاملة تعرّض لها، وإهمال متعمد في الخدمة الطبية التي يحتاجها، إلى جانب الاحتكار الاقتصادي والمجتمعي الذي يطبق على الشارع المصري، دوراً في تأجيج الغضب.
على الرغم من ذلك، بقي لدى السيسي شعور بالارتياح فوق الكرسي، وخصوصاً أنه قام بإجراءاتٍ تطهيريةٍ في صفوف القوات المسلحة، حين كان وزيراً للدفاع في حكومة الرئيس مرسي، مكّنته من الانقلاب على الرئيس حينها وزجّه في السجن، وقد نجح السيسي، خلال السنوات الست السابقة، في إبقاء الشارع هادئاً إلى ما قبل يوم الجمعة الماضي. ويواجه النظام المصري الآن بقيادته أصواتاً شعبية عالية استطاعت كسر الحاجز المرسوم لها، فنزلت إلى الشارع ووصلت إلى ميدان التحرير في القاهرة، رمز الثورة في مصر، وتفاوت تعامل قوات الأمن مع المتظاهرين، فأطلقت غازاً مسيلاً للدموع في الميدان، وأغلقت الطريق المؤدّي إليه، في حرص منها على تفريغ الشارع قبل صباح اليوم التالي.
نالت مؤسسة الجيش اهتماماً خاصاً في عهد السيسي، وأغدق على ضباطٍ كثيرين، لكنه لم يحدّد بعد موقف القوات المسلحة من التحرّكات الشعبية، وفي المؤسسة مجموعة كانت متحلقةً حول الفريق عنان، وآخرون يعترضون على سياسة السيسي عموماً.
ولكن المؤكّد أن زمن الديكتاتور المطلق الداخل في النسيج الثقافي والأدبي والسياسي للمجتمع العربي، قد ذهب إلى غير رجعة، مع ذهاب رموزه القديمة، كحسني مبارك ومعمر القذافي، ولا يملك السيسي مواصفات رجل السياسة والمجتمع المطلق، إذا أخذنا في الاعتبار التغيرات العميقة التي طرقت عقول الشباب العربي منذ مطلع العقد الثاني من القرن العشرين، وإن مضت على السيسي ست سنوات، لم يواجه خلالها معارضة حقيقية تهدّد وجوده، فتبلور تلك الحركة القوية والجارفة يمكن أن يحدث بسرعة ومن دون تمهيد، كما حدث في فبراير مطلع 2011 حين قضي خلال أيام على 29 عاماً قضاها مبارك في تمكين سلطته. ويمكن اعتبار ما قام به السيسي، خلال السنوات الست السابقة، محفزاً وكافياً للتفكير الجدي في التخلص منه، كما يمكن اعتبار حالة الشارع المصري المدقعة، والتي يستجدي فيها إعلاميو التلفزيون الرسمي كلمات دعم للسيسي، دافعاً آخر قد يكون سريعاً وحاسماً.