مصارف لبنان مغلقة للأسبوع الثاني... وتقديرات أولية لكلفة الاحتجاجات

25 أكتوبر 2019
الصورة
الاحتجاجات مستمرة للأسبوع الثاني رفضاً للأوضاع الاقتصادية (العربي الجديد)
دخلت الانتفاضة الشعبية في لبنان أسبوعها الثاني، وسط إضراب عام وحالة شلل في الأسواق المحلية، بما فيها البنوك العاملة في البلاد.

ولبنان المتأرجح على حافة تعمّق أزمته الاقتصادية، يعيش اليوم إرهاصات هبوط جديد، سببها سلطة تأبى التنحي وتأمين البديل، ومتظاهرون يريدون حلا جذريا للفساد، وتحسين الأوضاع الاقتصادية.

البنوك تواصل الإغلاق

وقالت جمعية مصارف لبنان إن البنوك اللبنانية ستظل مغلقة بسبب بواعث قلق ترتبط بالسلامة، وذلك لحين عودة الاستقرار وسط احتجاجات عارمة للمطالبة باستقالة الحكومة.

وأكدت الجمعية أن البنوك ستظل مغلقة اليوم الجمعة لحماية العملاء والموظفين والممتلكات، مضيفة في بيان أن عمل البنوك سيقتصر على توفير الرواتب من خلال أجهزة الصراف الآلي.

وأبلغ سليم صفير رئيس جمعية مصارف لبنان وكالة "رويترز"، أنه يأمل حلاً وشيكاً للأزمة السياسية، وأن البنوك ستستأنف نشاطها بالكامل فور حدوث ذلك.

وقال صفير، وهو رئيس بنك بيروت أيضا، إنه "فور عودة الأوضاع لطبيعتها، فإننا على ثقة كبيرة بأننا نستطيع استئناف خدمة عملائنا بالطاقة القصوى.. سبق أن عملنا في الماضي في أحلك اللحظات وأصعبها، ولم نتخلف قط أو نهمل التزاماتنا".


ويأتي القرار وفقا لمصرفيين خشية أن يحاول المودعون سحب أموالهم، وخوفا من تعرضهم لهجوم المتظاهرين الذين يلقون باللوم جزئيا على المؤسسات المالية في هذا الوضع.

ونقلت وكالة "رويترز" عن الصحافي الاقتصادي اللبناني سركيس نعوم قوله إن الناس ستهرع إلى البنوك لتحويل أموالها أو سحبها، وهذا هو السبب في أنها لا تجرؤ على فتح أبوابها.


وقال رئيس الوزراء سعد الحريري في ورقته الاقتصادية التي أعلنها الأسبوع الماضي، إن القطاع المصرفي سيقدم 5.1 تريليونات ليرة لبنانية (3.4 مليارات دولار) للمساهمة في خفض عجز ميزانية 2020، بوسائل من بينها زيادة ضريبية على الأرباح.

أزمة الدولار والديون

بات من الصعب في الفترة الأخيرة، الحصول على الدولار بسعر الصرف الرسمي البالغ 1507.5 ليرات. وقال تاجر عملة إن الدولار وصل إلى 1680 ليرة أمس الخميس.

وتم استخدام احتياطيات الدولار لسداد الديون المستحقة بالعملات الأجنبية. وقال حاكم مصرف لبنان المركزي هذا الشهر إن البنك مستعد لسداد الديون المستقبلية.
وتعهدت الدولة مرارا بالحفاظ على ربط العملة والوفاء بسداد الديون في الوقت المحدد. وقال مصرف لبنان إنه سيواصل تأمين احتياجات العملة الصعبة للقطاعين العام والخاص بسعر صرف ثابت.

وأشار وزير الخارجية، جبران باسيل، الأسبوع الماضي إلى أن الأموال قد تنفد من لبنان بحلول نهاية العام، وأوضح أنه حذر الزعماء الآخرين من هذا في سبتمبر/ أيلول.
وقال باسيل "قلت أيضا إن القليل الباقي من الرصيد المالي قد لا يكفينا لفترة أطول من نهاية السنة إذا لم نعتمد السياسات المطلوبة"، دون أن يحدد ماهية ما يقصده بالرصيد المالي.

وأوضحت مقابلات أجرتها "رويترز" هذا الشهر مع ما يقرب من 20 من مسؤولي الحكومة والساسة والمصرفيين والمستثمرين أن لبنان يواجه إذا لم يحصل على دعم مالي من الخارج احتمال تخفيض قيمة العملة، أو حتى التخلف عن سداد ديونه في غضون أشهر.
ويرى نعوم أنه "إذا تم تخفيض قيمة الليرة بشكل حاد ولم يتمكن الناس من الحصول على الأموال من البنوك، فسوف تعم الفوضى بعد ذلك"، مضيفا أنه "قد تكون أعمال النهب التي وقعت الأسبوع الماضي مؤشرا على ما هو آت".

وقال الحاج علي من مركز كارنيغي للشرق الأوسط "سوف نواجه الفوضى". وأضاف "إذا استمر سعر الدولار في الصعود... فهذا يعني أن القوة الشرائية ستتقلص. سيصبح الفقراء أشد فقرا وسيحاول كثيرون استغلال الفوضى في محاولة كسب العيش. قد يتحول الأمر إلى أعمال شغب في مرحلة ما".

تداعيات مالية
وأكد آخر ثلاثة وزراء تعاقبوا على وزارة الاقتصاد في لبنان، في أحاديث متفرقة لوكالة "الأناضول" نشرتها اليوم الجمعة، ارتفاع الكلفة الاقتصادية لاستمرار المظاهرات.

وقال وزير الاقتصاد السابق رائد خوري، إن "كلفة التظاهر أو تعطيل البلاد اليومية تقارب 138 مليون دولار، وكلفة الأسبوع الكامل من التظاهرات تجاوزت 972 مليون دولار، على اعتبار أن الناتج القومي السنوي للبنان يساوي 50 مليار دولار.

ويضيف خوري: "إنها كلفة كبيرة، وتأتي نتيجة التأثير المباشر لتوقف عمل الدورة الاقتصادية، تضاف إليها كلفة الثقة التي تؤدي لانخفاض سندات الخزينة، إذ تراجعت خلال الأسبوع الماضي قرابة 4 في المائة".


ويتخوف الوزير خوري، من "هروب بعض الودائع من المصارف وتحويل الحسابات المصرفية من الليرة إلى الدولار، عقب فتح المصارف لأبوابها، وهو أخطر ما يمكن أن يحصل".
وزاد: "ليست لدينا رفاهية في أن نخسر ودائع في ظل عدم وجود سيولة كبيرة بالدولار، لا في المصرف المركزي ولا في المصارف.. أعتقد أنه أحد أسباب استمرار المصارف بإقفال أبوابها".

بدوره، أكد آلان حكيم، وهو وزير الاقتصاد الأسبق، لوكالة "الأناضول"، أن "الاقتصاد اللبناني يتكلف باليوم الواحد بين 120 مليون دولار بالحد الأدنى و200 مليون دولار بالحد الأقصى.

وأضاف حكيم أن كل القطاعات متضررة ومتأثرة بالتعطيل، "هذه حلقة متواصلة، لا سيما على صعيد الاستهلاك الذي هو اليوم الركيزة الأولى للاقتصاد اللبناني"، لافتا إلى أن "التعطيل أثر بالدرجة الأولى على الاستهلاك اليومي، الذي انخفض من 80 إلى 85 في المائة نظراً لإقفال الأسواق، وهنا نتحدث عن المواد الأولية والطعام من دون أن ندخل إلى القطاع النفطي والسياحي والزراعي".

لكنه أبدى تفاؤله "بتعويض بعض الخسائر عندما تفتح الأسواق، ويعود معها الضغط على الاستهلاك، لكل هناك تبعات اقتصادية لما يحصل يجب أن يتنبه المعنيون لخطورتها، وهي الثقة".

وأشار إلى أن "الثقة بالحكومة الحالية مع نزول مليوني متظاهر إلى الشارع، أصبحت مفقودة، عامل الثقة هو الأول لناحية المعايير الاقتصادية والمالية لتداول الحكومة مع الهيئات المالية الاقتصادية الدولية".

أما نقولا نحاس وزير الاقتصاد الأسبق، والمقرر الحالي في لجنة المال والموازنة النيابية، فيتفق مع زميلَيه، بما يخص الكلفة الاقتصادية الكبيرة لما يحصل في الشارع، لكنه يرى أن "الخطورة تكمن في مكان آخر، وهي أن لبنان لديه أزمة اقتصادية ومالية كبيرة، وأزمة سيولة كانت قد بدأت وترجمت في الأسواق المالية ما قبل أزمة الشارع".

وأضاف: "يجب التفكير في أزمة السيولة جدياً، لأنها ستستكمل من بعد انتهاء موجة الاحتجاجات الشعبية وبوتيرة أسرع، ويرى نحاس أنه "لا بد من سماع صوت الشارع، والذهاب لمشهد سياسي مختلف، والبحث عن آلية حكم تدير الأزمة المالية والاقتصادية".


وعود لم تنفذ

عرضت دول ومؤسسات أجنبية في العام الماضي على لبنان نحو 11 مليار دولار في صورة قروض ميسرة، لكنها تريد أن ترى الإصلاحات أولا. ولا يوجد أي مؤشر على الإسراع بتقديم المساعدة.

وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية لوكالة "رويترز"، إن الشعب اللبناني "محق في الغضب" من حكومة رفضت معالجة الفساد المستشري.

وأردف المسؤول، الذي لم تسمه الوكالة قائلا "فجأة لديهم مشاكل في السيولة وثمة مخاوف بشأن تخفيض قيمة العملة، هذا شيء كان على جدول الأعمال وفي الأفق لبعض الوقت".
وأضاف "هذا وضع لا يستلزم بالضرورة أن تحصل الحكومة اللبنانية على حزمة إنقاذ... يجب عليهم القيام بالإصلاح". وفي وقت سابق هذا الشهر، قال الحريري إن لبنان تلقى تعهدا بمساعدة مالية من دولة الإمارات العربية المتحدة. ولم يتحقق هذا بعد.