توسيع قروض تونس... المصارف تستعين بـ"الضمانات المنقولة" تجنباً للديون المتعثرة

17 مايو 2019
الصورة
في تونس 24 مصرفاً تموّل الاستثمارات (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -

يسعى الجهاز المصرفي في تونس إلى توسيع ضماناته لزيادة منح القروض الاستثمارية وفي الوقت نفسه الحد من مخاطر الديون غير المستخلصة (المتعثرة)، عبر قوانين جديدة تقر الضمانات المنقولة (السلع والسيارات والأصول التجارية) عند منح التمويلات.

وبدأ برلمان تونس في مناقشة مشروع قانون جديد يهدف إلى تفعيل دور الضمانات المنقولة كوسيلة ائتمان تساعد على تشجيع المصارف والمؤسسات المالية على منح تمويلات بمخاطر أقل، وإرساء نظام قانوني يكفل التوازن بين سلامة عملية التمويل وتيسير الإقراض.

ويمكّن مشروع القانون الجديد من ضبط سجل وطني للضمانات المنقولة وإشهار جميع العمليات المالية المضمونة بمنقولات ستستعمل من قبل المصارف لضمان القروض.

وحسب مراقبين، تأتي رغبة المصارف في توسيع دائرة الضمانات واعتماد وسائل "الرهن" غير التقليدية في ظل ارتفاع الطلب على قروض الاستثمار وزيادة الحاجة إلى تمويل الاقتصاد، وسط تواصل مشاكل شح السيولة التي تعاني منها المصارف.

وتعد الضمانات التي تطلبها المصارف واحدة من أبرز العوائق التي تعترض المستثمرين ولا سيما أصحاب الشركات الصغرى والمتوسطة الذين يمثلون نحو 60 بالمائة من النسيج الاقتصادي التونسي، حيث يقف غياب الضمانات الكافية حاجزا أمام نفاذها إلى مصادر التمويل المصرفي.

وتمكن الضمانات المنقولة بحسب الخبير المالي بلحسن الزمني من المخاطرة أكثر بتمويل الاقتصاد، مشيرا إلى أن الجهاز المصرفي يسعى إلى زيادة الضمانات التي تسمح له باستخلاص قروضها.

وقال الزمني في تصريح لـ"العربي الجديد" إن صعوبات التمويل التي تعاني منها المصارف بسبب شح السيولة تسببت في فرض قيود كبيرة على الإقراض بما في ذلك الموجهة للاستثمار في وقت يسير فيه الاقتصاد العالمي بخطى متسارعة نحو تحرير المبادرة الاقتصادية وتقديم تسهيلات ائتمانية بدعم من مؤسسات القرض، بحسب قوله.

وأضاف الخبير المالي أن المغرب، على سبيل المثال، بدأ منذ عام 2015 في اعتماد سجل وطني للضمانات، متوقعا أن يفتح اعتماد الضمانات المنقولة كرهن للقروض في تونس متنفسا جديدا لتمويل الاقتصاد وخلق الثورة فضلا عن خفض نسبة مخاطر القروض صعبة الاستخلاص.

بدوره قال محافظ البنك المركزي مروان العباسي إنّ مشروع القانون المتعلق بالضمانات المنقولة سيقلص من المخاطر التي تواجه المصارف عند تقديم قروض لأصحاب المشاريع الصغرى وسيمكن من تفادي لجوء العديد منهم إلى التمويل الموازي، وفق تعبيره.

وأضاف محافظ البنك المركزي التونسي مروان العباسي، الإثنين الماضي، أن سنة 2019 ستكون صعبة على المصارف في تونس بسبب شح السيولة.

وأوضح العباسي، خلال جلسة استماع عقدتها لجنة التشريع العام بالبرلمان أن المصارف في السنوات القادمة ستتجه نحو الاندماج فيما بينها لخلق مؤسسات بنكية قادرة على المنافسة.

وأفاد العباسي، بأن البنك المركزي التونسي، سيفرض ضوابط مالية على عدد من المصارف الموجودة في تونس، بسبب عدد من التجاوزات منها عدم احترامها للمنظومة المصرفية المتعلقة بمده بالمعطيات المطلوبة إلى جانب تجاوزات أخرى متعلقة بإسناد القروض.

ومن جانبه، أفاد الخبير في السياسات الاستثمارية صادق جبنون في حديثه لـ"العربي الجديد" بأن توسعة دائرة الضمانات المصرفية إلى الضمانات المنقولة ستدفع الجهاز المالي إلى المرور من وسائل الرهن التقليدية لوسائل عمل أكثر تطورا، مشيرا إلى أن هذه الأنظمة معمول بها منذ سنوات في عدد من البلدان الأخرى.

وقال إن المصارف ستكون بعد التصديق على مشروع القانون أكثر مجازفة في تمويل المؤسسات الاقتصادية عبر صناديق والمخاطرة، لافتا إلى أن المؤسسات التي تحقق نتائج جيدة تبقى أكثر حظا في النفاذ إلى مصادر التمويل.

وأضاف أن شح السيولة في القطاع المصرفي يفرض عليه تقليص القروض والتمييز في الأصول التي تقدم كضمانات مصرفية بسبب السعي للالتزام بالشروط التي وضعها البنك المركزي بعدم تجاوز المصارف لنسبة قروض تساوي 120 بالمائة من ودائعها، مؤكدا أن البنوك ستكون ملزمة باحترام معايير المخاطرة وحسن التصرف بعد بدء المركزي تسليط عقوبات مالية على المخالفين.

في المقابل، نفى لطفي بن ساسي، المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة، في تصريح إذاعي أمس الأربعاء، وجود أزمة سيولة في تونس. وقال: "لا توجد أزمة سيولة من شأنها أن تؤثر على الدفوعات العمومية أو تمويل المؤسسات".

وبيّن بن ساسي أن الهدف حاليا هو تحسين المقدرة الشرائية خاصة للطبقة الوسطى من خلال زيادة الناتج الداخلي الخام للفرد طبقا للمعايير الدولية وذلك من خلال تغيير منوال التنمية، حسب تعبيره.

ومنذ عام 2015 بدأت تونس خطة لتأهيل القطاع المصرفي وزيادة صلابة الجهاز المالي ورفع احتياطاته المالية.

ويحتاج دعم الصلابة المالية للمصارف وفق تقديرات خبراء اقتصاديين إلى توفير احتياطات مالية يومية في المصارف بين 600 و800 مليون دينار (بين 200 إلى 266 مليون دولار).

وبالإضافة إلى مشاكل شح السيولة والتأخر التشريعي واللوجستي تعاني المصارف التونسية ولا سيما الحكومية منها من مشاكل حوكمة تسببت في إهدار أموال طائلة أسندت في شكل قروض لمستشمرين ورجال أعمال ومقربين من النظام السابق لم تكشف المتابعات القضائية إلى الآن عن مصيرها.

وقال وزير الإصلاحات الاقتصادية توفيق الراجحي في تصريحات سابقة إن "الحكومة تدرس خططا لاسترجاع ديون بقيمة 6.5 مليارات دينار (2.1 مليار دولار) في المصارف الثلاثة ضمن خطط لإصلاح القطاع المصرفي".

وأوضح أن الحكومة بدأت بالفعل خطوات إصلاح القطاع عبر "خطط للحوكمة الجيدة ثم رفع رأسمال المصارف الثلاثة، والآن نسعى لتحسين أداء تلك المصارف عبر خطة تتيح لها استرجاع الديون المتعثرة التي منحتها المصارف العمومية".

وسنة 2015 ضخت الدولة نحو 757 مليون دينار أي نحو 251 مليون دولار لإعادة رسملة الشركة التونسية للبنك وقرابة 110 ملايين دينار أي نحو 36 مليون دولار لفائدة بنك الإسكان.

وتوفر المصارف في تونس، والبالغ عددها 24 مصرفا، نسبة كبيرة من تمويل الاستثمارات، وبالتالي فإن إعادة هيكلتها على أسس مستدامة يمكن أن تنعش الاقتصاد.

وفي مايو/ أيار 2018 أقرّ البرلمان قانونا لدعم الصلابة المالية للقطاع يساعد على استرجاع جزء مهم من ديون المصارف الحكومية وتحسين شروط التفاوض حول التخلي الجزئي آو الكلي عن فوائد التأخير مقابل استعادة أصل الدين.

المساهمون