مشيخة الأزهر ودار الإفتاء: صراع سياسي

12 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

نجحت مشيخة الأزهر الشريف في 24 من الشهر الماضي (أغسطس/ آب) في كسب جولة جديدة من جولات المواجهة المستمرة بينها وبين دار الإفتاء المصرية، منذ عامين تقريبًا، والناشئة من إرادة دار الإفتاء ومساعيها الحثيثة للحصول على الاستقلال التام عن مؤسسة الأزهر المنوطة بها الشؤون الدينية في مصر، فقد قدمت اللجنة الدينية في البرلمان المصري، بقيادة وكيلها عضو مجلس النواب ومستشار رئيس الجمهورية، أسامة السيد الأزهري، في يوليو/ تموز الماضي، مشروعَ قانون يقضي باستقلال دار الإفتاء، بحيث تتحول إلى كيان شبيه بالوزارة، ومن ثَمّ تتبع مجلس الوزراء مباشرة. وكان مشروع القانون هذا قد طُرح في العام 2018 ليُناقَش في البرلمان في 18 اجتماعًا، من يناير/ كانون الثاني وحتّى يوليو/ تموز في العام نفسه، وحضرها ممثلون عن مشيخة الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء ووزارة العدل ومجلس الدولة ووزارة المالية ومصلحة الضرائب ووزارة التخطيط والمتابعة. ونظرًا إلى أن مشروع القانون لم يتسنّ عرضه في دور الانعقاد الرابع للبرلمان في عام 2018، فقد استُؤنِف العمل على مشروع القانون في فبراير/ شباط الماضي، ثمّ قدّم إلى البرلمان لأجل التصويت عليه في يوليو/ تموز الماضي، ونجحت مشيخة الأزهر في إجهاضه في أغسطس/ آب الماضي. ولم يثمر هذا النجاح عن الإلغاء التامّ للقانون، بل سُحِب قبل التصويت النهائيّ عليه، وتأجّل حسمه إلى البرلمان القادم.

أحد مقدمي مشروع قانون استقلال دار الإفتاء عن الأزهر مستشار رئيس الجمهورية ومعيّن نائبًا مقررًا للجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب من الرئاسة

ويمنح مشروع القانون الشخصية الاعتبارية المستقلة لدار الإفتاء المصرية، وينص على منحها الاستقلال المالي والفنّي والإداري الكامل، وعلى حقها في إنشاء فروع لها في أنحاء الجمهورية. وينص على تعيين السلطة التنفيذية مفتي الديار المصرية من دون الحاجة للرجوع إلى الأزهر. ويعطي مشروع القانون دارَ الإفتاء الحق في تدريب المفتين الشرعيّين، والحق في استصدار شهادات علمية ومهنية لهم من دون الرجوع إلى مؤسسة الأزهر كذلك. وبنى مشروع القانون حجته في الاستقلال على سند تاريخي، يدّعي أنّ دار الإفتاء نشأت مستقلة عن الأزهر منذ 700 عام أي منذ العصر المملوكي وحتى الشيخ محمد عبده الذي جمع بين إفتاء الحقانية وإفتاء الديار المصرية. ومنذ ذلك الحين، اختلطت المؤسستان، بحسب ادّعاء مشروع القانون، بحيث أصبح الإفتاء تابعًا للأزهر، وهو ما يحاول إلغاءه.

بُني مشروع القانون على أن دار الإفتاء نشأت مستقلة عن الأزهر منذ 700 عام، أي منذ العصر المملوكي وحتى الشيخ محمد عبده

وإذا كان مشروع القانون يُناقَشُ منذ أكثر من عامين، فإنّ له سابقة في العام 2007، عندما نجحت دار الإفتاء في الاستقلال النسبي، وظهرت موازنتها في ميزانية الدولة شأنها شأن الأزهر. ويحاول مشروع القانون الانتقال من هذا الاستقلال النسبي إلى استقلال تامّ. وفي الواقع، فإنّ دار الإفتاء ومشيخة الأزهر الشريف لا تتحاربان منفردتين في هذه المعركة طويلة النفس، بل لكلٍّ منهما مؤسسات أخرى ظهيرة، فوزارة الأوقاف تدعم دار الإفتاء، بينما تدعم هيئة كبار العلماء مؤسسة الأزهر. كما أنّ مؤسساتٍ أخرى سياسية تشارك في المعركة كذلك، فمجلس الدولة المصري يدعم مؤسسة الأزهر، في حين تدعم مؤسسة الرئاسة المصرية دار الإفتاء. بل من الملاحظ أنّ أحد مقدمي المشروع هو أسامة السيد الأزهري مستشار رئيس الجمهورية والمعيّن نائبًا مقررًا للجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب من الرئاسة المصرية منذ 2015. 
كان موقف مشيخة الأزهر، وعلى رأسها الشيخ أحمد الطيب، حاسمًا في رفض هذا المشروع وإجهاضه، فوحدة المؤسسات المختصة بالشؤون الدينية في مصر وانتماؤها جميعها لمظلّة الأزهر الشريف أمر لا يقبل التفاوض لدى الطيب والمشيخة. وقد أعان الفقهاء الدستوريون في مجلس الدولة الأزهرَ بتقرير واضح، يقضي بمخالفة مشروع القانون المادة السابعة من الدستور المصري، وتعارضه مع الاختصاصات الدستورية والقانونية للأزهر. ومشروع القانون ليس مخالفًا للدستور فقط، وإن كان هذا هو الأهمّ، بل هو مخالف كذلك لمواد قانون تنظيم الأزهر لعام 1961 القاضي باختصاص الأزهر بالشؤون الدينية. كما فندت مذكرة الأزهر الادعاء التاريخي بالاستقلال، وأوضحت أنّ مهمة الإفتاء نشأت تاريخيًا في الأزهر، وهي غير منفصلة ولا مستقلّة عنه بحال.

دار الإفتاء ومشيخة الأزهر  لا تتحاربان منفردتين في هذه المعركة طويلة النفس، بل لكلٍّ منهما مؤسسات أخرى ظهيرة

والبعد السياسي لمشروع القانون واضح، ويكاد يكون الأهم، فلا حاجة دينية تُذكَر من استقلال دار الإفتاء المصرية. ويذهب محللون إلى أنّ مشروع القانون سيخدم مؤسسة الرئاسة بالدرجة الأولى، فستكون بيدها سلطة تعيين المفتي وسلطة عزله، وهي السلطة التي لا تملكها بإزاء مشيخة الأزهر. كما يذهب آخرون إلى أنّ الخلافات التي برزت على السطح بين الرئاسة والمشيخة في السنوات السبع الماضية تلقي بظلالها كذلك، فقد بدا الشيخ أحمد الطيب متمسكا بمسؤوليته الأولى في القول الفصل في قضايا دينية، إزاء بعض تدخلات مؤسسة الرئاسة في خلافاتٍ سابقة ظهرت للإعلام. أي أنّه احتفظ للأزهر باستقلال معنوي، بجانب استقلاله المؤسساتي.
انتهت هذه الجولة في المعركة الدائرة بين مؤسسات الأزهر وهيئة كبار العلماء ومجلس الدولة من جهة ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف والرئاسة المصرية من جهة أخرى بسحب المشروع، وإن لم تقضِ بإلغائه تمامًا، ما يعني أنّ هذا السجال سيتجدد في المستقبل القريب، ولا نعلم ما تخبئه الأيام من تغييراتٍ جوهريةٍ في وجه مصر.