مشروع حفتر في ليبيا .. وسورية واليمن أيضا

30 ابريل 2020
الصورة
طلب التفويض من الشعب، فاستجاب الشعب لطلبه، فاستجاب هو للشعب وقبل التفويض..
هذه ليست أحجية، وليست كاميرا خفية كالتي تعرض برامجها في شهر رمضان، بل مشهد سياسي من بطولة خليفة حفتر. الخبر أن الماريشال ركن أعلن "استجابة القيادة العامة للقوات المسلحة التي يترأسها لإرادة الشعب لإدارة البلاد في المرحلة المقبلة، وإسقاط اتفاق الصخيرات". الحقيقة أن هذا الإعلان قفزة سياسية لحفتر، والمعسكر الدولي الذي يدعمه. ويجب النظر إلى هذه القفزة من منظور إقليمي عربي، لا محلي ليبي، فالدول العربية الداعمة حفتر تريد وبشدة إعادة بناء النظام العربي القديم، ولو بأوجه جديدة وبأشكال تتكيف مع البيئة المحلية لكل بلد. وانطلاقا من ذلك، إذا وسعنا زاوية النظر إلى المشهد سنجد مؤشراتٍ على تغييرات في استراتيجية الدول العربية الداعمة حفتر، والتي تقود مشروع الثورة المضادّة، كما اصطلح على تسميتها وكما تتهمها قوى الثورة العربية. وربما تتجلى أوجه هذا التغيير في الاستراتيجية في اليمن، بإعلان المجلس الانتقالي الجنوبي (المدعوم إماراتيا)، أخيرا، حالة الطوارئ، وتدشين ما سماها "الإدارة الذاتية للجنوب".
وقد جاء هذا التطور في اليمن بعد سنوات من فشل التحالف الذي تقوده السعودية، ومعها الإمارات، في تحقيق أهدافهما جميعها. وبالتالي ربما دفعهم عدم الحصول على كل العسل اليمني إلى الانتقال إلى الخطة البديلة، والتي تحقق لهما جزءا من الأهداف المرجوة. وتتمثل هذه الخطة في العمل على تفتيت الكيان السياسي الموحد للدول الكبيرة جغرافياً، بترسيخ كيانات سياسية محلية، ضمن الكيان السياسي الأكبر (الدولة)، وذلك بعد تهيئة الظروف لها على الأرض، وفرضها أمرا واقعا لا مناص منه، وهذا ما حدث في اليمن، وما يمكن أن يحدث في ليبيا.
وما قام به حفتر قد يعد مؤشّرا إلى إمكانية تطبيق سيناريو الجنوب اليمني في الشرق الليبي، ربما تحت كيان، أو تسمية مختلفة قد تكون فيدرالية أو كونفدرالية، وربما تصل إلى حد إعلان دولة يعلنها حفتر أحاديا، في خطوة انتحارية، بمبدأ عليّ وعلى أعدائي. ومن غير المستبعد اعتراف المعسكر الدولي الذي يدعمه بهذا الكيان، لخلط الأوراق وإطالة أمد الصراع ورفع وتيرة العنف فيه أكثر مما هو حاصل، إضافة إلى استمرار استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية لهذا البلد، فهذه الدول التي خسرت المليارات من ميزانياتها لتحقيق مشروعها، سواء في ليبيا أو اليمن، لن تقبل أن تخرج من المولد الليبي بلا حمص. كما أنها لن تستطيع الاستمرار في دعم حفتر بالزخم نفسه، في ظل فشله في السيطرة على البلاد، وخصوصا فشله في احتلال طرابلس وتقهقره عنها، بعد دخول تركيا داعما مباشر لحكومة الوفاق وقوات الثوار المساندة لها، و في ظل أزمة فيروس كورونا وتداعياتها الاقتصادية على هذه الدول، وتداعياتها السياسية والعسكرية على العالم الذي أخذ ينكفئ عن الساحات الخارجية.
بالعودة إلى إعلان الإدارة الذاتية للجنوب اليمني، ليس لهذه التسمية مثيل في الوطن العربي سوى 
في سورية، حيث الإدارة الذاتية في مناطق شمال شرق سورية (الحسكة، الرقة، ديرالزور) التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي (امتداد حزب العمال الكردستاني)، وذراعه العسكرية، قوات حماية الشعب، والتي تدعمها الإمارات والسعودية، وقد جرت زيارات لضباط ومسؤولين منهما إلى مناطق هذه "الإدارة الذاتية". وتقول تركيا إن هذا الدعم يشكل خطرا على أمنها القومي. والعارف بطبيعة ديموغرافية تلك المناطق الحدودية بين سورية وتركيا يعلم أن غالبية السكان على طرفي الحدود من الكرد، وفي حال استقرّت الأمور لحزب الاتحاد الديمقراطي، وترسخت إدارته الذاتية في تلك المنطقة السورية، لا شيء يمنع مستقبلا نقل العدوى إلى الجانب التركي، خصوصا أن جراح الحرب الطاحنة في ثمانينات القرن الماضي بين "العمال الكردستاني" والجيش التركي لم تبرأ بعد. إضافة إلى التجربة الناجحة لكردستان العراق، والتي تشكل حافزا لكرد المنطقة، بالسعي نحو الحكم الذاتي، أو الفيدرالية على أقل تقدير.
يشكل هذا كله جزءا من مشروع الدول الداعمة حفتر، كما يشكل هاجسا لتركيا، وهذا ما يفسّر انخراط تركيا في الملف الليبي، لمواجهة المشروع الإماراتي المسنود مصريا وفرنسيا، فعندما تبرد جبهة إدلب وشرق الفرات، تسخن جبهة طرابلس وترهونة والوطية، والعكس صحيح. إذاً المعركة واحدة، والمشاريع متصارعة من سورية إلى ليبيا فاليمن ومصر، وربما السودان مستقبلا، وقبلهم جميعا العراق، صراع مشاريع ورؤى لخريطة المنطقة، فالذي يرى الديمقراطية شرّا مطلقا وخطرا أكبر عليه سيحاربها بدون أي رادع أو تفكير بالعواقب، والذي يشعر بالتهديد وعدم استقرار كيانه السياسي، لأنه قائم على جغرافيا صغيرة، سيعمل على تفتيت الجغرافيات السياسية الكبرى المحيطة به، وربما لا يستثنى من ذلك الجار الأقرب والشقيق الأكبر.