مشاهدات الرحالة الألماني هابنسترايت من لامبيدوزا إلى طرابلس

01 اغسطس 2020
الصورة
أقواس ضمن أعمدة في لبدة أو لبيدة، ليبيا (ويكيبيديا)
+ الخط -

لم تقف مغامرة الرحالة والطبيب الألماني هابنسترايت، عند الرحلة التي بدأها من الجزائر عام 1732 إلى تونس، بل إنه كان قد عقد العزم، على التوجه إلى ليبيا. وحتى وإن كانت الكثير من مشاريعه الرحلية قد توقفت أو إنها لم تتم لأسباب مختلفة، فإنه أنجز الشق المتعلق بالوصول إلى طرابلس، وهي محطة صغيرة، لم تكن مدتها الزمنية كافية، لكي تتيح له تكوين فكرة شاملة ومفصلة عن هذه المنطقة الشاسعة من شمال أفريقيا.

فلم يتمكن الرحالة هابنسترايت من التوغل في ليبيا، فبعد أن وصل إليها في أواخر سبتمبر من عام 1732، قادما عن طريق البحر من تونس، لم يحالفه الحظ في السفر إلى الصحراء الليبية، لأسباب تعود إلى سوء الإعداد لهذه الرحلة، والفشل في تنظيم قافلة كبيرة، قادرة على الذهاب أبعد من طرابس، في رحلة، محفوفة بالكثير من المخاطر، بسبب عدم وجود الماء، علاوة على غياب التأمين الكافي للقافلة، مما دفعه في الأخير، إلى التراجع، عن القيام بهذه المغامرة، وسط تحذيرات السكان، وعدم حماسة المرافقين له.

لم يتح له استكشاف ليبيا لكنهكوّن فكرة حول ما تزخر به البلاد من إمكانيات وكنوز

ولكنه مع ذلك، تمكن من معاينة المدن القريبة، والمواقع الأثرية المحيطة بطرابلس، كما أنه لقي حفاوة وترحيبا من طرف داي ليبيا/ حاكمها، الذي وصفه بأنه رجل على درجة عالية من التهذيب، كما أنه يتحدث الإيطالية بطلاقة وبلغة راقية جدا. وإن كان لم يتح له استكشاف البلد، فإنه على الرغم من ذلك، كون فكرة حول مقدار ما يزخر به من إمكانيات وكنوز.

بلد ينعته ببلد جبال الرمال المتحركة، التي ضاعت في بيدائها الكثير من بوصلات الغزاة والطامعين فيها، منذ الزمن الروماني والبيزنطي إلى الآن. فما تزال شواهد ومدن تلك الحضارات القوية التي مرت عليها، مطمورة في بطون الرمال. غير أنه تمكن من تسجيل العديد من الملاحظات، وهي غنية للغاية، أولى هذه الملاحظات، أن الحياة في الشمال الأفريقي، وبالضبط في بلدان المغرب العربي، كانت سجالا.

ذلك أنه لم يتح لهذه المناطق أن تشكل دولها المستقرة إلا في محطات تاريخية محدودة، فسرعان ما كانت تهرع القوى الأوروبية في ذلك الوقت بسفنها وجيوشها لتفتيت كل محاولة للوحدة، السياسية يمكن أن تحدث بين هذه الأقاليم الشاسعة.

لقد كان الوعي الأوروبي قويا بمخاطر أي وحدة عليها، خصوصا أن حادثة الخروج من الأندلس ليست بعيدة، وما زال هناك حلم "شمال أفريقي" باستعادتها، أو العودة إليها، على أقل تقدير، فآلاف من العائلات الأندلسية العربية واليهودية، تركت أملاكها هناك، وفرت عبر البحر، نحو المغرب والجزائر وتونس، وكان حلم العودة يراودها باعتباره حلما مشروعا وحقا من الحقوق لا بديل عنه.

ثاني الملاحظات، التي كونها هابنسترايت عن بلدان الشمال الأفريقي، أنه لديها هوية جامعة، حتى وإن كانت تبدو على مستوى الظاهر، متفرقة ومتشرذمة، فهناك الهوية الدينية الموحدة المتمثلة في الإسلام، من جهة، وهناك من جهة ثانية، الانتساب إلى الخلافة، والتي تجعل من الخليفة العثماني رمزا موحدا ممثلا لأمة الإسلام، مهما تباعدت درجات الخضوع للسلطان العثماني من بلد إلى آخر، ومهما كانت مستويات "خدمات الحماية" التي يقدمها الخليفة، شكلية أو حاسمة.

انخرطت النخب المغاربية وقواها في حركة الجهاد البحري بمن فيهم الوافدين من الأندلس

الملاحظة الثالثة، أن حركة الجهاد البحري، الابتكار العربي، للرد على الهجمات الأوروبية، كانت تحظى بدعم مركزي، على مستوى السلطة العثمانية، وباحتضان شعبي، على مستوى انخراط النخب المغاربية وقواها في هذه العملية، بمن فيهم "الوافدون الأندلسيون"، الذين ساندوا وشاركوا في كل العمليات التي جرت في البحر، ودعموها ماديا ومعنويا.

أما الملاحظة الرابعة، التي سجلها هابنسترايت، فهي تصاعد الكراهية للأجانب، وخصوصا الإسبان والفرنسيين والإيطاليين، بعد أن تزايدت أطماع هؤلاء في بلدان المغرب العربي، وبالتالي أصبح "الجهاد" ضد أي أجنبي، فرض عين، تبدأ من المقاطعة إلى السلب إلى القتل، ولم ينج من هذا المصير، حتى أولئك الذين يمنحهم الوالي، أو الباي أو الداي، "الأمان" بالتحرك بحرية في البلاد. وقد عايش هابنسترايت، نفسه حالات من هذا النوع، نجا منها بأعجوبة، أو جرى إنقاذه من تعقيداتها في آخر لحظة.

في الطريق البحري من تونس نحو طرابلس، يبدأ الحضور الإيطالي يكتسب قوة أكبر، فهناك الكثير من الجزر الصغيرة، التي كانت ساحة حرب ونزال بين العرب والإيطاليين، إن هذا الجزء من المتوسط، كان ساحة معركة مفتوحة على مر الأزمان، ولا تزال الشواهد حية وناطقة، في كل شبر من مياه هذه الجزر ومن مغاراتها. فعلى صخورها تحطمت أحلام جيوش وغزاة، قبل أن تبلغ اليابسة.

يصل هابنسترايت إلى جزيرة لامبيدوزا، التي هي اليوم تحت السيادة الإيطالية. لقد كانت هذه الجزيرة، ملتقى طرق للسفن العابرة، ترسو هناك، كي تتزود بالماء وبما تحتاج إليه من زاد، قبل أن تستأنف مسيرتها، يكتب هابنسترايت "وصلنا في 22 سبتمبر إلى جزيرة لامبيدوزا، التي اضطررنا إلى التوقف فيها بسبب تسرب الماء إلى سفينتنا. ولم تثننا هذه المغامرة عن رغبتنا في رؤية الأب كليمان، وهو راهب ظل يقيم في هذه الجزيرة لمدة اربع وعشرين سنة، ولم يحالفنا الحظ لرؤيته، فقد اغتنم مرور سفينة فرنسية لينتقل إلى نابولي، على أمل أن يعود يوما ما عندما تصادفه رياح ملائمة، وكان قد ترك بالجزيرة خادمه الذي سره أن يعرفنا على الدير".

 

الأب كليمان

يتحدت هابنسترايت بتفصيل عن دير لامبيدوزا، وعن الأب كليمان، الذي عمل على العناية به وتوسيعه، يقول "لاحظنا أن هذا الدير لا ينقصه أي شيء من متطلبات الحياة، بفعل العناية التي أولاها له أحد الرهبان الإغريق، وبعد موت هذا الأخير عمل الأب كليمان، الإيطالي الأصل، على توسيع وتحصين عمارة الدير فأصبح يضم العديد من الغرف بالإضافة إلى الكنسية المنحوتة في مغارات طبيعية سمحت بإقامة الكنيسة داخل صخور الجبل.

لقد كانت هذه الجزيرة فيما مضى مأهولة، ولكنها أصبحت مهجورة منذ حروب القرصان بربروسة مع الإمبراطور شرلكان، وظل البحارة المسلمون والمسيحيون، وخاصة المالطيين منهم القريبين منها يلتجئون إلى مرسى هذه الجزيرة ليحتموا من العواصف وللتزود بالماء والحطب.

 ومع مرور الوقت عمل المالطيون بدافع التقوى على جعل هذا المكان صالحا للتقوى، فساعدوا الراهب المنعزل بالجزيرة على إنشاء حديقة جميلة ووفروا له الأثاث الذي كان في حاجة إليه في خلوته وكذلك جلبوا له الأدوات الضرورية لفلاحة الأرض، فضلا عن تهيئتهم مسلكا عبر الشجيرات والحشائش ليزرع القمح مكانها، فيتوفر له محصول وافر، وهذا ما سمح له بمبادلة ما يزيد عن حاجته ليحصل على الأشياء التي يحتاج إليها".

 

في وصف الجزيرة

يوجد بالمغارة التي بني عليها الدير رحى لطحن الحبوب تدار بواسطة حمار، كما تتوفر المغارة على فرن هيئ لطهي الخبز. وغير بعيد عن الدير تشاهد مغارة أخرى حيث يوجد معلم مقدس عند المسلمين الذين يطلقون عليه اسم محمد، يأتيه بحارة السفن الأتراك للتبرك به وصنع الخبز دون أن يأتوا بأي شيء قد يزعج أو ينفر الناسك في خلوته، ويقدمون له بين الحين والآخر الزيت والشموع وكل أنواع المؤونة.

يتحدت هابنسترايت بتفصيل عن دير لامبيدوزا، وعن الأب كليمان، الذي عمل على العناية به وتوسيعه

وسفن النصارى هي بدورها تحمل إليه الخمر والمشروبات الروحية والملابس. يصف هابنسترايت جزيرة لامبيدوزا بأنها جزيرة مهمة، وعجيبة، يقول "لقد تجولنا في هذه الجزيرة الصغيرة التي لا يتجاوز طولها ثلاثة أميال، وتسلينا أثناء ذلك بصيد الأرانب، كما تمكنا من جمع عدة نباتات وبذور، وهذا ما جعلنا نعتبر أن وجود الراهب بهذه الجزيرة لا يخلو من كل متعة وسرور، وقد اتفقنا مع قبطان السفينة أن يحضر لتناول العشاء معنا في الدير حيث نتواجد في ساعة محددة، ولكن عوض أن يلبي دعوتنا للعشاء، أعلمنا بأن السفينة قد تهيأت للإقلاع، ولحسن الحظ أن القبطان المساعد والكاتب كانا معنا، وهذا ما جعلني مطمئنا ولم يساورني القلق من أن يقدم القبطان على تركنا وحيدين في هذه الجزيرة المعزولة.

ومع ذلك، أطلق القبطان طلقة مدفع ورفع العلم يستحثنا على الالتحاق به، لكننا لم نتمكن من سماع إعلانه الأول ولا من رؤية إشارته الثانية، التي رأى ربان السفينة، بعدها، أنه لن ينتظرنا وقتا أطول، فأسرعنا نحو الميناء حيث أتى أحد القوارب لأخذنا إلى السفينة.

 

الوصول إلى طرابلس

بعد أن غادر هابنسترايت على ظهر سفينة جزيرة لامبيدوزا مبحرا نحو طربلس، واجهتهم رياح شديدة، وأبطات حركة السفينة، بحيث يقول إن تلك الرياح ظلت قوية "ولم يكن في استطاعتنا أن نبقي فوق السفينة سوى شراع واحد".

يؤرخ هابنسترايت للحظة الوصول إلى ميناء طرابلس، ويعتبرها مدينة ذات أهمية تاريخية، زيادة على موقعها الاستراتيجي الكبير، كما أنها تتشكل من حزام من المدن التاريخية المحيطة بها، والتي شكلت على مر التاريخ منارات حضارية، ولعبت أدوارا كبيرة في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، يقول "وفي 26 سبتمبر أبصرنا مدينة طرابلس، وسررنا بدخول مينائها، وعند نزولنا من السفينة عرض علينا القنصل الإمبراطوري خدماته عن طريق مترجمه، ولكن قنصل فرنسا السيد رايموندي كانت له الكلمة الأخيرة في هذا التسابق على الضيافة، فأنزلنا في مكان لائق بالبيت الذي يقيم فيه، وحظينا باستقبال القناصل الآخرين، فقد كان حلولنا بينهم مناسبة غير عادية لقلة تردد الأوروبيين على طرابلس.

أشعرنا الباشا أو باي البلد الذي حملنا له رسائل توصية من داي الجزائر، بأنه سوف يستقبلنا في الغد وهو 27 سبتمبر، فاصطحبنا لمقابلته قنصل فرنسا، وقد سبقتنا إشاعة توحي بأن هناك بعض الأشخاص يتجولون في البلاد لاستكشافها بحجة البحث عن النباتات، ولحسن الحظ، هذه الإشاعة لم تجد قبولا لدى الباي.

وبعد أن قدمنا للباي رسائلنا لم يكتف بأخذ فكرة طيبة عنا، وإنما أكد أنه يرغب أن يكون في بلاده ما هو جدير باهتمامنا، ووعد بحمايتنا أثناء سفرنا، فكان هذا الأمير بهذا السلوك أكثر حكام إيالات المغرب أدبا وكياسة، وقد تحادث معنا بدون الاستعانة بمترجم واستفسر عنم مشاريعنا وطلب منا أن نمده بوصف عن بلادنا، وقد كانت لغته الإيطالية التي حادثنا بها راقية جدا.

كنت أعثر بطرابلس على بعض القطع المعدنية والعينات الأثرية بإجراء عمليات حفر، وقد تابعت سفري، فذهبت إلى "لبيدة" وبون كاسان، القريب من موقع إيه القديمة، لكن الظروف لم تسمح لي ولمرافقي بالتوغل أكثر في البلاد، فانعدام الماء وشدة الحرارة غير المحتملة والجبال الرملية المتحركة التي رأينا نموذجا منها في هذه النواحي، كلها كانت السبب في عدم قيامنا بذلك، فكان علينا في مثل هذا الوضع أن نكون ضمن قوافل تضم عددا كبيرا من المسافرين، مما يتوجب علينا انتظار الفرصة السانحة لمثل هذا السفر الذي ينظر إليه السكان هنا بأنه مهمة خطيرة، بل عمل متهور، ومع ذلك فإنه لم يكن ينقصني التصميم على القيام بهذه المغامرة، وإنما حال دون ذلك أن المجموعة التي ترافقني لم تكن بالعدد الكافي الذي يمكننا من القيام بذلك.

وكما سبق لي أن جبت تخوم بلاد المغرب أثناء هذه الرحلة، فسوف أعود إلى تونس حالما تتحسن الظروف بذلك، حيث بقي علي أخذ بعض الملاحظات، ومنها سوف أبذل ما في وسعي للوصول إلى أحد موانئ المحيط الأطلسي للقيام برحلة إلى منطقة السنغال.

 

المساهمون