مشاريع وهمية في العراق بـ200 مليار دولار: تفاقم الفساد

21 فبراير 2020
الصورة
إهدار المال العام على مشروعات وهمية (أحمد الروبي/فرانس برس)
+ الخط -

بينما يستعد رئيس الوزراء العراقي المكلف، محمد توفيق علاوي، لتصويت البرلمان على الثقة في حكومته، يوم الاثنين المقبل، يبرز ملف المشاريع الوهمية الذي كبّد الدولة خسائر بأكثر من 200 مليار دولار، حسب تقرير برلماني حديث.

وفي هذا السياق، طالب برلمانيون بضرورة أن يكون هذا الملف في مقدمة أولويات الحكومة الجديدة.

ووفقا لعضو في البرلمان العراقي يُوصف بأنه مقرب من علاوي، فإن برنامج الحكومة الجديدة سيتضمن تشكيل محكمة مختصة بجرائم الفساد عموما، وسيتم فتح ملف المشاريع الوهمية.

وأوضح البرلماني، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "غالبية تلك المشاريع عبارة عن سرقة أموال تحت حجج وعناوين مختلفة، وتم أخيرا رصد مشاريع في ديالى وكربلاء والأنبار وبغداد والبصرة صُرفت أموال عليها ولم تخرج للنور".

وأضاف أن "هناك جانباً سياسياً واضحاً في تعطيل فتح الملف، لكن إثارته والبدء بمراجعته ستكون تحت غطاء المتظاهرين، كون ذلك أحد مطالبهم".

وتُعتبر الفترة بين 2006 و2014، أكثر السنوات خسارة بالنسبة للعراق من ناحية تلك المشاريع، والتي يتورط فيها مسؤولون عراقيون وشركات أجنبية، خاصة الإيرانية، وأغلبها في قطاعات الإسكان والصحة والتعليم والطرق والجسور والطاقة.

وفي هذا الإطار، كشفت اللجنة المالية النيابية، في تقرير حديث اطلعت عليه "العربي الجديد"، خسارة العراق أكثر من 200 مليار دولار بسبب المشاريع الوهمية للفترة ما بين عامي 2003 و2013.

وقال عضو اللجنة، جمال كوجر، في تصريحات سابقة، إن "الوزارات منذ عام 2003 أصبحت عبارة عن مغانم لأحزاب سياسية ومكاسب لشخصيات متنفذة"، مشيرا إلى "هدر 222 مليار دولار على مشاريع وهمية، بسبب المحاصصة والفساد والصراع على المغانم والكراسي خلال الفترة ذاتها".

وأضاف كوجر أن "الجهات الرقابية عاجزة عن تقديم شخص واحد إلى القضاء نتيجة الضغوط السياسية والمصالح المشتركة التي تحول دون الكشف عن تلك الملفات".

من جانبه، قال المستشار السابق في وزارة التخطيط العراقية، محمد الجبوري، لـ"العربي الجديد"، إن "المشاريع الوهمية في بعض المحافظات العراقية كانت أكثر من المشاريع الحقيقية التي أنجزت لصالح المواطنين"، مبينا أنه بعد عام 2014 وبسبب الأزمة المالية تراجعت جرائم المشاريع الوهمية بعد إلغاء الدولة الكثير من المخصصات لمشاريع الإعمار، لكنها ما زالت موجودة وتأخذ أشكالا عدة.

ويضيف: "تقوم جهات حزبية متنفذة بإحالة مشاريع كبيرة إلى شركات محلية أو تابعة لدول مجاورة، وبالتالي هناك حصة أو نسبة لهذا الحزب أو تلك الجهة من المشروع، الذي تسرق أمواله في النهاية وتترك الشركة الموقع وتغادر لسبب أو بدون سبب، وعندما يأتي الموظف الصغير أو المسؤول للتحقيق يصطدم بمسؤول أكبر منه أو جهة حزبية كبيرة تقف وراء المشروع، لذلك ينتهي البحث والمتابعة وتكون الأموال قد خرجت من الدولة، والمشروع يصبح لافتة داخل مكان صحراوي مفتوح".

واعتبر الجبوري أن "الأموال التي صُرفت على المشاريع الوهمية تكفي لإعادة إعمار المناطق المدمرة"، لافتا إلى أن "معظم هذه الأموال هُدرت إبان فترة رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي".

وأشار إلى أن "هذه المشاريع تنوَّعت ما بين بناء مستشفيات وملاعب رياضية كملعب التاجي نموذجا، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، ومجمعات سكنية وشبكات للمجاري، ومشروعات أخرى، مثل المدارس الحديدية الجاهزة التي أخذت شركة إيرانية الأموال المخصصة لبنائها ثم غادرت البلاد من دون أن تنفذ شيئا.

ومن جهته، عزا النائب في البرلمان العراقي، حسين عرب، سبب كثرة المشاريع الوهمية إلى استشراء الفساد، وافتقار العراق إلى الشركات الرصينة.

وقال عرب، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "الأرقام الحقيقية للمشاريع الوهمية والمتلكئة في العراق أكثر من 6000 مشروع، بعضها أنجز لمراحل أولية وبعضها ليس لها وجود إطلاقا"، مرجعا سبب ذلك إلى "استشراء الفساد والرشاوى التي تُمنح للجهات المانحة لهذه المشاريع، فضلا عن افتقار العراق إلى شركات الاستثمار الرصينة بسبب المضايقات وعدم توفر بيئة جاذبة للاستثمار".

وأضاف أن "هناك تحركا جديا من قبل لجنة النزاهة لمتابعة ملفات الفساد التي تتعلق بالمشاريع الوهمية واسترداد الأموال إلى ميزانية الدولة"، منوها إلى أن أكثر قطاع أُهدر فيه أموال هو الكهرباء.

وأشار إلى أن "الأموال التي أنفقت على الكهرباء وحدها منذ عام 2003 ولغاية اللحظة تكفي لتجهيز العراق بالكهرباء وتصدير الفائض إلى دول الجوار، في حين لا يزال العراق يستورد الكهرباء من إيران".

وفي سياق ذلك، قال الخبير الاقتصادي، محمد البياتي، لـ"العربي الجديد"، إن الحكومات العراقية المتعاقبة والأحزاب السياسية التي تشكلت بعد عام 2003 لم تُحسن إدارة البلد وتسببت في تدمير تعليمه وصناعته وزراعته، بسبب عدم امتلاكها رؤية مستقبلية لقيادة البلد إلى بر الأمان".

وأضاف أن المحاصصة الحزبية ساهمت في التمويه على عمليات الفساد المالي والإداري، وتسببت في هدر أموال تُعادل ميزانية دول أخرى، لافتاً الانتباه إلى أن "لجنة النزاهة إذا ما أرادت فتح ملفات فساد وملاحقة الفاسدين، فعليها مواجهة الأحزاب السياسية المتسلطة على العراق وعلى مقدرات شعبه".

يشار إلى أن الحكومة العراقية لم تتمكن، حتى اللحظة، من إقرار ميزانية 2020، بسبب العجز المالي الذي يُقدر بنحو 48 تريليون دينار عراقي، حسب تقديرات اللجنة الاقتصادية في البرلمان، الأمر الذي أدى إلى تعطيل العديد من المشاريع الخدمية.

المساهمون