مشاريع معطلة تؤجج الشارع التونسي

26 فبراير 2019
الصورة
احتجاج صامت في سيدي بوزيد (ياسين القايدي/ الأناضول)

تونسيون كثر توقعوا تبدّل أحوالهم بعد الثورة، ولا سيّما أنهم وُعدوا بمشاريع كثيرة، لكنّ آمالهم خابت

في الرابع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول 2010، وجّه الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي تعليماته إلى الحكومة لإنشاء مشاريع تنموية في محافظة سيدي بوزيد بوسط تونس، التي كانت حينها تشهد لليوم السابع على التوالي اعتصامات شعبية احتجاجاً على تردّي الأوضاع المعيشية وتفشّي البطالة وغياب التنمية. وقد أعلن وزير التنمية والتعاون الدولي محمد النوري الجويني حينها، إطلاق دفعة أولى من المشاريع بقيمة 15 مليون دولار أميركي، بهدف خلق مزيد من الوظائف في المحافظة، بالإضافة إلى التوقيع على توزيع 306 إشعارات موافقة على تمويل حكومي لعدد من الشباب، خصوصاً من حاملي الشهادات الجامعية، لإنجاز مشاريع خاصة.

هدفت تلك الإجراءات إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة، بعد أولى شرارات الثورة، غير أنّ الاحتجاجات لم تخفت إذ إنّ أبناء الجهة رفضوا أيّ وعود لتهدئتهم. وراحت رقعة تلك الاحتجاجات تتسع لتشمل المناطق المجاورة، ولا سيّما محافظة القصرين في غرب البلاد، قبل أن تنتقل إلى كلّ الشوارع التونسية. لكنّ حكومات ما بعد الثورة لم تستوعب بعد - بحسب ما يبدو - أنّ منطق التهدئة والوعود الذي تعتمده للتخفيف من شدّة احتقان الشارع لن يجدي نفعاً، وخصوصاً أنّ احتجاجات المناطق المهمشة التي تفتقر إلى أبسط مقوّمات العيش الكريم وتتفشى فيها البطالة، تتجدد في ذكرى اندلاع أولى شرارات الثورة في سيدي بوزيد.




وبعد أكثر من ثمانية أعوام، ما زالت محافظات عديدة، ولا سيّما القصرَين وسيدي بوزيد، مهمّشة وتشهد تحرّكات احتجاجية لا في ذكرى الثورة فحسب، إنما في أوقات مختلفة من العام وفي مناسبات عديدة، وذلك بسبب عدم تحقّق التنمية وتعطّل إنجاز المشاريع فيها وعدم وفاء الحكومة بتعهداتها تجاه أبناء تلك الجهات.

سيدي بوزيد
في بداية عام 2018، أُعلِن في خلال جلسة جَمعت كلّاً من والي سيدي بوزيد وممثلي الإدارات الجهوية والمنظمات والجمعيات والمجتمع المدني، مشاريع معطّلة في قطاعات مختلفة، لأسباب مالية واجتماعية وإجرائية وأخرى تتعلق بشؤون عقارية ومقاولات، وفق ما صدر عن الإدارة الجهوية للمحافظة. يُذكر أنّ العدد الإجمالي للمشاريع العمومية التي وُضعت لمحافظة سيدي بوزيد منذ عام 2011 وحتى عام 2018 الماضي، بلغ 1792 مشروعاً بتكلفة 460 مليون دولار. وبعد شهرين من انتهاء عام 2018، لم ينفَّذ أيّ من تلك المشاريع المبرمجة التنموية بالأساس، فلم تحلّ أزمة بطالة أبناء الجهة.

يشير عبد الرؤوف عامري، وهو أحد شباب سيدي بوزيد، لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "المشاريع بمعظمها مجرّد تهيئة طرقات بسيطة أو مراكز عمومية، بينما لم يتحقق أيّ من الوعود المتعلّقة بالصحة وبناء مستشفيات في الجهة، أو توفير سوق أسبوعية. كذلك لم تشمل أيّ مشاريع تشغيلية توفّر فرص عمل لأبناء الجهة، على غرار استحداث وحدات صناعية". يُذكر أنّ الحكومة في وعودها لسيدي بوزيد، شجّعت المشاريع الصغرى التي لا توفّر سوى نسب بسيطة من مواطن الشغل، من قبيل برنامج "رائدة" لدفع المبادرة الاقتصادية النسائية في تونس، الذي موّل 36 مشروعاً في مجالات مختلفة بنحو 75 ألف دولار.

القصرين
محافظة القصرين التي قدّمت أكبر عدد من الشهداء والجرحى خلال الثورة، ما زالت من بين أكثر المناطق تهميشاً. ولم تُنجز أيّ من المشاريع الكبرى المبرمجة للجهة. أكثر من 1900 مشروع تعود إلى عام 2012 ما زالت معطّلة، وتعود الأسباب إلى مشكلات مالية وإدارية وأخرى تتعلّق بشؤون عقارية وبالمقاولات، وفق تقرير صادر عن المجلس الجهوي. ولعلّ من بين أبرز المشاريع المعطّلة مشاريع في القطاع الصحّي، تقضي بإنشاء أقسام تخصصية في المستشفى الجهوي.

ومثلما هي الحال في محافظة سيدي بوزيد، فإنّ المشاريع المبرمجة في القصرين هي بمعظمها مشاريع تنمية وتهيئة، لا توفّر في الأساس فرص عمل من شأنها أن تخفف حدّة البطالة واحتقان شباب المنطقة. وهو الأمر الذي جعلها في ذكرى الثورة، في أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تشهد تحرّكات احتجاج يومية، أجّجها إقدام أحد أبناء الجهة على إحراق نفسه.




احتقان
في السياق، يشير رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مسعود الرمضاني لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "الاحتجاجات التي تتجدد في جهات عدّة مع ذكرى الثورة وفي مناسبات أخرى، إلى جانب حالة الاحتقان خصوصاً في المناطق المهمّشة، سببهما تعطّل مشاريع التنمية المبرمجة منذ أعوام وتفشّي البطالة، ولا سيّما بين حاملي الشهادات الجامعية". يضيف الرمضاني أنّ "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، سجّل في خلال متابعته للتحركات الاحتجاجية نحو 10 آلاف احتجاج في خلال عام 2017". ويلفت إلى أنه "على خلفية ارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب بالجهات الداخلية، ولا سيّما القصرين والقيروان وسيدي بوزيد، فإنّ تلك الجهات تحتل المراتب الأولى في نسب الفقر".