مسيرة عمرو دياب.. بعد أن تمزّق البنطلون

16 اغسطس 2017
الصورة
(عمرو دياب، تصوير: هيثم موساوي)
+ الخط -

في أوائل الثمانينيات وعندما وصل عمرو دياب إلى القاهرة بناءً على دعوة وجّهها له الملحّن هاني شنودة للدراسة في معهد الموسيقى العربية، بعدما رآه يغنّي في أحد أفراح محافظة بورسعيد؛ كان لديه 20 جنيهًا وبنطلون جينز وقميصان ودعاء والديه.

كان حلمه الأوّل النجاح، وثانيها أن يأخذ أهل بيته من وراء "الستر" الذي عاشوا وراءه طوال عمرهم إلى العِزّ والثراء. استمر في البحث عن أي شقّة صغيرة لتأجيرها والسكن فيها، لكنه للأسف لم يجد. قلّل مستوى طلبه وبدأ البحث عن أيّ غرفة صغيرة، وأيضًا لم يجد، وهذا ما اضطره للبقاء في الشارع لمدّة يوم ونصف بدون سكن، في نهاية اليوم الأوّل أخذته قدماه للكورنيش أمام مبنى ماسبيرو.

جلس فوق الرصيف متطلّعًا إلى النيل بمنتهى المرارة باكيًا على حاله والتفكير ينهش رأسه بحثًا عن الخطوة التالية. ولما غلبه الجوع اشترى سميط وترمس وذرة من بائعٍ متجوّل يقف بعيدًا عنه عدّة أمتار وعاد إلى مكانه مرّة أخرى ليتناول وجبته. لقد كان أمرًا قاسيًا بالنسبةِ لشاب أغلب وزنه طموحٌ، وكان يظن أن الحياة وردية وأن القاهرة ستفتح له ذراعيها بمجرّد أن تطأها قدماه.

بات ليلته مستيقظًا وفي فجر اليوم الجديد واصل رحلة بحثه عن سكن. مع غروب شمس اليوم الثاني أخيرًا وجد غرفة صغيرة فوق سطوح إحدى عمارات مصر الجديدة. وكان لا بد أن يجد عملًا حتى يستطيع أن يصرف على نفسه، خصوصًا أن والده كان سيرسل له مصاريف دراسة المعهد، ولم يكن عمرو يُريد أن يُثقل عليه أكثر من ذلك. بدأ مهمّة البحث عن عمل وكان حظه في هذه المهمة أسهل نسبيًا من البحث عن المسكن، فحصل سريعًا على الوظيفة. مطعم شيك في الزمالك وافق مديره أن يغنّي عمرو فيه في فقرة يومية ثابتة لمدّة ساعتين من 12 لـ 2 مساءً. مدير المطعم طلب منه أن يوقّع معه عقد لمدّة سنة يُلزمه بعدم الغناء في أي مكان آخر سواءً كان مطعمًا أو كباريه أو مسرحًا. وافق عمرو دون تفكير.. الراتب الشهري؟ 60 جنيهًا. الأكل؟ بقايا الطعام التي يتركها زبائن المطعم في آخر اليوم، وبدأ المشوار.


(عماله بتيجي في بالي و بتفكر اللي فات .. والعمر يعدّي قصادى و يتعاد في حكايات وأهي ذكريات)
قسّم عمرو يومه بين الدراسة والعمل. الساعة 11 صباحًا كان يقصد معهد الموسيقى العربية حتى الساعة الثانية بعد الزوال، ثم يعود ويغط في نوم عميق، وقبلها كان يغسل البنطلون الجينز والقميصين وينشرهما. يستيقظ الساعة العاشرة مساءً تقريبًا ويتحرّك للمطعم ليغنّي إلى الساعة الثانية صباحًا، ثم يخرج للشوارع الخاوية ولا يجد مواصلات في هذا التوقيت، فيصبح الحل الوحيد له هو أن يستقل التاكسي.

المشكلة أنه لو أعتمد على هذا الحل كل ليلة سينفذ المرتّب قبل منتصف الشهر والحل؟ كان يضطر أن ينتظر في الشارع حتى بزوغ فجر اليوم الجديد وبداية حركة المواصلات في الصباح. لا إراديًا وجد نفسه يذهب إلى أوّل مكان شهد على دموعه في القاهرة. كورنيش ماسبيرو على النيل. ومع مُضيّ الوقت أصبح الجلوس في المكان نفسه مع أكلة السميط والذرة والترمس والدردشة مع البائع المتجوّل عادة عمرو اليومية المحبّبة.


(شوقنا أكتر شوقنا .. شوقنا أكتر ما اشتاقنا .. وإياك تفكّر بحر الشوق مهما على هيغرقنا)
في أحد أيّام العمل، شاهد عمرو مخرجًا تلفزيونيًا شهيرًا -بمعايير تلك الفترة- جالسًا من ضمن روّاد المطعم. بعد أن أنهى فقرته ذهب إلى طاولة المخرج. طلب منه فرصة وتحت إلحاح عمرو أعطاه المخرج "الكارت" الشخصي الخاص به (خُد يا أخي وخلصني)، طلب منه أن يحضر في العنوان المكتوب لإحياء حفلة عيد ميلاده في شقته بعد ثلاثة أيّام، وفي الموعد المحدّد كان عمرو يدقّ جرس الشقّة وبمجرّد دخوله ضجّت الصالة بموجة من الضحك والاستهزاء من الحضور نحوه بسبب مظهره البسيط.

تحوّل إلى نكتة أو مونولوغست، فهم بسرعة أن المخرج قد دعاه إلى هنا ليقدّمه كوجبة ساخرة لضيوفه، ابتلع الإهانة ولم ينسها. طالع الوجوه الموجودة واكتشف أن أغلبهم من الوجوه التي يراها في التليفزيون، مطربون ومذيعون وممثلون، لحظات واقترب منه المخرج وصافحه وسأله: "ها؟ هتسمعنا إيه يا أستاذ؟". حاول عمرو الإمساك بآخر خيط من خيوط كرامته ووجدها فرصة سانحة ليفرض نفسه عليهم. ردّ عليه: "اللي أنتم عاوزينه". بعد عدّة دقائق من الغناء وجد أنه يغنّى لنفسه. لا أحد ينتبه إليه. لا أحد يسمعه. لا أحد معه. فجأة توجّهت نحوه نجمة استعراضية كبيرة وقالت له بلهجة سخيفة وهي تصفق بعصبية: "برافو. أظن مش كفاية كده بقى يا أستاذ. وجعت دماغنا)، ضجّ المكان بالضحك وخرج عمرو منكسرًا.


(أيوه اتغيرت مفيش حاجه في الدنيا بتفضل على حالها.. مش تقليل منك ولا حاجه أيام مابحبش احنلها)
وسط صخب الحياة اليومية الاعتيادية تعرّف عمرو في أحد الأفراح على مخرج تليفزيوني آخر وكانت أمنيته أن يخرج له أغنية تذاع في التليفزيون، عمرو الذي يتعلّم من أخطائه لم يطلبها منه مباشرة لعدم وجود معرفة سابقة بينهما فطلبها عبر وسيط مشترك، وافق المخرج، أخيرًا سيرى حلم عمرو الأوّل النور.

تحدّد موعد التصوير. قبلها بساعات ذهب ليقص شعره واشترى قميصًا جديدًا على الموضة، واستلف من أحد أصدقائه بنطلونًا. وقد كان البنطلون جميلًا لكنه كان ضيقًا، ضيّقًا زيادة عن اللازم وأزراره لا تُغلق بسهولة. نظرًا لضيق الوقت قام بارتدائه. ذهب قبل موعد التصوير بنصف ساعة. جاء المخرج بعد الميعاد بساعتين. انتظر عمرو ثلاث ساعات أخرى قبل أن يبدأ التصوير، وبمجرّد أن بدأت الموسيقى بطريقة (البلاي باك) بدأ عمرو يتحرّك يمينًا ويسارًا مع الأغنية وهو ملتزم بإشارات وتعليمات المخرج من خلف الكاميرا. فجأة وبدون أي مقدّمات سمع الكل صوت .. فيييييييشت.. توقفت الوسيقى. قال عمرو خجلًا: (آسف يا أستاذ. البنطلون اتقطع).


(زي الملايكة اما تشوفها ورداية تحلم تقطفها ما يتحكيش عليها)
بعد عرض الأغنية لم تحقّق أي نجاح يُذكر، ولا كأنها صُوّرت من الأساس. استمر يذهب إلى المعهد للدراسة، ويعمل في الأفراح وبعض الملاهي. يعمل يومًا ويجلس عشرة في غرفته فوق السطوح في انتظار إشارة من أي متعهّد. فهم من تلك اللحظة أن تكوين شبكة من العلاقات هي أهم خطواته التي يجب اتخاذها فورًا. بدأ يتغير ويتعامل مع الحياة بشكل أكثر قوّة وصلابة.

عمل وعمل وعمل. هو لا يريد إلا أن يصل صوته ويسمعه الكل، لم يرفض أي عرض للغناء في أي مكان (رغم خطورة هذا الأمر قانونيًا بسبب العقد الموقع مع صاحب المطعم الأول)، إلا أنه لم يبال وكان يقلّل من أجره إلى أقل من نصف ما يتقاضاه غيره حتى ينتشر، أصبح المطرب الشاب عمرو دياب الذي يقدم لونًا مختلفًا هو الخيّار الأوّل والأيقونة الثابتة في معظم حفلات الملاهي والمسارح والأفراح.

(رصيف نمرة خمسة والشارع زحام وساكت كلامنا ما لاقي كلام .. تسالي يا خال، تدخن يا عم؟ تتوه المعاني في لساني لجام)
سنة 2008 عندما سألت المذيعة مفيدة شيحة عمرو دياب في برنامجها "سكوت هنغني" عن سبب عدم رده على الإشاعات أو الاتهامات التي يواجهها بشكل شِبه اعتيادي رد بدون تفكير قائلًا: "طب ولما أرد؛ هل ده هيغير حاجة في أي حاجة؟ أنا مركز في شغلي وبس وأي هجوم بيزود شراستي للنجاح أكتر).


(أنا مش هضعف تاني قصادك أنا مش هرجع أبص ورايا)
عمرو أخذ قرارًا منذ حوالي 13 سنة، أن على أغلب من يحيطون به لا يزيد عُمرهم عن 21 سنة. السائق، والطباخ، والبواب، ومدرّب الجيم، والملحنين والمؤلفين .. والسبب؟ الكاتب الصحافي بلال فضل، سأله في جلسة شخصية بينهما؛ ردّ عمرو: (عشان ألقط وآخد منهم وأبقى شبههم ومع الوقت أتكلّم بلسانهم وبسنهم). تفهم من هذا القرار سبب استمرار عمرو حتى الآن في المحافظة على مكانته عند أغلب الشباب من سن 14 سنة وحتى الأربعينات بل وأكثر.

(تملي معاك ولو حتى بعيد عني في قلبي هواك .. تملي في بالي وفي قلبي ولا بنساك .. تملي واحشني لو حتى بكون وياك)
تمرّ السنين ويبدأ اسمه يلمع أكثر وأكثر، يفاجأ في يوم ما أن الفنانة الاستعراضية التي أحرجته في بيت المخرج؛ تدعوه إلى عيد ميلادها وترسل إليه دعوة إلى بيته باسمه، يشعر بانتصار معنوي كبير وأن حقّه قد عاد وأن هذا اعتذار ضمنيٌ منها وتقدير له حتى بعد مرور تلك المدّة. غير أن الموضوع لم ينتهِ بعد، وعمرو الذي لم يعتد أن يترك حقه أو ينساه رأى أن للأمر بقية، قام بشراء هدية قيّمة لها ولنفسه بدلةً باهظة الثمن. ذهب إلى عيد الميلاد. ومن سخرية القدر أن أغلب من كانوا هناك هم نفسهم من حضور حفلة المخرج الماضية وكانوا شاهدين على إحراجه.

ضحك في وجوههم جميعًا متناسيًا إهانتهم القديمة له. طلبوا منه أن يغنّى، فرفض بذوق. صمموا، فصمّم على الرفض أكثر. ضغطوا عليه، فرد: (آسف مش هغني، أنا جيت ضيف مش مطرب). وسط تعجّب الكل وذهولهم وبعد أن سلّم النجمة هديّتها وقبل أن يُكمل ربع ساعة على حضوره؛ خرج من الحفل منتشيًا وفي قمّة سعادته.

اتجه إلى كورنيش النيل وتحديدًا أمام مبنى ماسبيرو ليجلس في مكانه المفضّل، كان يشعر أن من حق النيل عليه أن يشاركه نشوة انتصاره كما رأى دموعه، سرح مدّة من الزمن لم يستطع حسابها بدقة. لم يخرجه من حالته إلا هزة رقيقة من أحدهم على كتفه الأيمن، انتبه، فأدار برأسه ليجد من يمدّ له يده مبتسمًا بـ كوز ذرة مشوي ساخن وقطعة سميط وقرطاس من الترمس. بادله عمرو الابتسامة والتقطهم منه وبدأ يأكل بنهم كما لم يأكل من قبل.

(نعشق القمر لما .. يجمع الصحاب لما .. نبكي لو يفرقنا .. نفرح لو نكون لمة)




المصادر:
- برنامج "سكوت هنغنى"، حلقة عمرو دياب، إذاعة القناة الأولى المصرية عام 2008.
- كتاب "حياتهم الشخصية"، بقلم الكاتب الصحافي يسري الفخراني، فصل "العنيد عمرو دياب"، إصدار عام 1994.
- برنامج "الموهوبون في الأرض"، حلقة عمرو دياب، تقديم الكاتب الصحافى بلال فضل، الإذاعة -2017.