مسيرات العودة تربك الاحتلال: تآكل الردع أم تثبيت الوضع؟

30 مارس 2019
الصورة
فشل الاحتلال في وقف مسيرات العودة (الأناضول)
على مدار عام كامل تمكنت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، عبر مسيرات العودة على السياج الشرقي، من إبقاء موضوع الحصار المفروض على القطاع في قلب الاهتمام الدولي والإقليمي. حدث ذلك بعد أن كان يبدو أن الحصار بات أمراً منسياً في الرأي العام العالمي، بل وعلى وشك أن يقضي على غزة بفعل "العقوبات" التي فرضتها السلطة الفلسطينية في رام الله، بدءاً من وقف تحويل رواتب الموظفين، ووقف تمويل الوقود اللازم لتشغيل الكهرباء في القطاع، أملاً بأن يزيد ذلك من حدة التناقض بين سلطة حماس وبين الشعب الفلسطيني في غزة، علّ القطاع يسقط في قبضة السلطة الفلسطينية في رام الله ويمكنها من إعادة بسط سيطرتها على القطاع، دون حاجة لعملية مصالحة ومن ثم تقاسم للسلطة.

ولا يمكن إغفال هذه الإجراءات عند محاولة إجمال عام من المسيرات، نظراً لأن شرارة التحركات في قطاع غزة التي أطلقت في الذكرى السنوية ليوم الأرض من العام الماضي، قد اندلعت بعد أن سعت حكومة الاحتلال أواخر ديسمبر/كانون الأول من العام 2017 لقبول نصائح ومواقف السلطة الفلسطينية بعدم تحويل الوقود إلى غزة لأنها لن تقوم بتغطية تكاليف هذا الوقود. وترافق ذلك مع تصريحات وقرارات فلسطينية متكررة صدرت عن رام الله بدءاً باقتطاع رواتب موظفي القطاع وصولاً إلى التهديد بإعلان غزة "إقليماً مرتداً"، فيما كانت حكومة الاحتلال تبدي قبولاً فورياً تقريباً لمطالب السلطة الفلسطينية، إلا أن الأمور انقلبت رأساً على عقب عبر مسيرات العودة.


ويمكن القول إن إطلاق مسيرات العودة، وإن كان لم يباغت الاحتلال الذي رد في مناسبتين على الأقل، في المسيرة الأولى في 30 مارس/آذار 2018، وبعد نحو شهرين في 14 مايو/أيار مع مراسم نقل السفارة الأميركية للقدس بعنف شديد، إلا أن الثبات على تنظيم المسيرات وإن بأعداد متفاوتة، شكل المفاجأة الأكبر لإسرائيل، باعتباره كسر كلياً ما كانت تعتقد الأخيرة أنها تمكنت من تثبيته ضد حركة المقاومة، ألا وهو الردع الشامل.
وقد تكسر هذا الردع، عملياً أكثر من مرة في جولات تبادل إطلاق الصواريخ من قطاع غزة والرد عليها من قبل الاحتلال بغارات حوية تصاعد فيها مرة بعد أخرى عدد الأهداف والمواقع التي استهدفها جيش الاحتلال.
لكن ميزان الردع الذي عكسته هذه الغارات بدا جلياً في نمط بات متكرراً، يُقصف جنوب إسرائيل، وتحديداً مواقع مفتوحة، انطلاقاً من غزة وفي المقابل تستهدف إسرائيل مقار لحركة حماس أو الجهاد الإسلامي، وذلك إلى حين التوصل إلى تفاهمات تمكن من العودة إلى الاتفاق الذي أنهى عدوان الجرف الصامد، مع تمكن كلا الطرفين من القول إنه كان صاحب الرصاصة الأخيرة، والمنتصر في مختلف جولات التصعيد التي تكررت وارتفعت وتيرتها بعد شهر مايو من العام الماضي. وكانت كل جولة تصعيد تنتهي كل مرة من جديد بتفاهمات جديدة، تتم في مسار منفرد، بما يسمح لحركة حماس بالحديث عن تفاهمات ووقف إطلاق نار، ويتيح للاحتلال إنكار إبرام اتفاق رسمي لوقف إطلاق النار، مع "حماس" والحديث باستمرار عن تفاهمات عبر وسطاء، وهم بالأساس مصر ودولة قطر، المبعوث الأممي لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ميلاندوف.

ويمكن القول عملياً إن حالة الإرباك والاستنزاف الدائم للجيش الإسرائيلي أسبوعياً في اضطراره للاستعداد لما ينتظره عند السياج الحدودي شكلت مصدر إزعاج كبير للاحتلال، وفضحت، من المنظور الإسرائيلي الداخلي، حقيقة غياب استراتيجية للحكومة بقيادة بنيامين نتنياهو تجاه غزة، مع أن أركانها وأقطابها لا سيما رئيس الحكومة، ووزير الأمن الأسبق، أفيغدور ليبرمان، عرضا أنفسهما باعتبارهما الرد الحاسم على "حماس"، ومن سيقوم في نهاية المطاف بالقضاء عليها وتقويض سلطتها.

وازداد حجم الإرباك لحكومة الاحتلال في ما يتعلق بمسألة وجود استراتيجية من عدمه، خصوصاً عندما بدأ قادة الجيش الإسرائيلي يؤكدون أن الجيش جاهز ومستعد لكل مهمة يحددها المستوى السياسي ويكلفه بالقيام به، إلا أن المشكلة تكمن في عدم اتخاذ الأخير موقفاً أو خطة واضحة ومحددة. ومع اقتراب شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، واشتداد رياح الانتخابات الإسرائيلية، لا سيما بعدما قبل الاحتلال بإعلان وقف إطلاق النار مع المقاومة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تفجر الموقف الداخلي في إسرائيل بعد استقالة وزير الأمن الأسبق أفيغدور ليبرمان، من منصبه عقب رفض خطته بالهجوم العسكري لتقويض سلطة حركة حماس بدلاً من القبول بتهدئة تتيح دخول المنحة القطرية لغزة.

شكلت استقالة ليبرمان عملياً، مع ما رافقها من جدل إسرائيلي، شارك فيه جنرالات سابقون ومراكز أبحاث، عبر إعلاء مسألة تآكل الردع الإسرائيلي مقابل "حماس"، وفي أجواء المعركة الانتخابية، دليلاً على أن نتنياهو يتبع في سياق غزة نفس الموقف الاستراتيجي في الشأن الفلسطيني العام، وهو تفضيل الإبقاء على الوضع القائم والاستفادة منه في أقصى درجة على المخاطرة بتحرك سياسي أو عسكري قد يؤدي إلى سيرورات يفقد فيها نتنياهو السيطرة على زمام الأمور من وجهة نظره.

واتضح من تصريحات صدرت عن نتنياهو قبل أسبوعين، اتهم فيها السلطة الفلسطينية بالمسؤولية عما آل إليه الوضع في قطاع غزة، بفعل العقوبات واقتطاع الرواتب، أن هذا الوضع يخدم سياسة نتنياهو لأنه يكرّس عملياً حالة تحول دون قيام دولة فلسطينية مستقبلاً ما دام الانقسام قائماً. في المقابل يرى نتنياهو أنه سيكون عليه أن "يناور" بين ضمان الأمن على الحدود مع قطاع غزة واحتواء الأحداث، على المغامرة بحرب عسكرية لا يمكن السيطرة على مجراها، خصوصاً بعد أن بات الاعتراف الإسرائيلي بأن البديل للغارات المحدودة النطاق على قطاع غزة هو عملية عسكرية تشمل توغلاً برياً واجتياحاً شاملاً، سيلزم إسرائيل البقاء في القطاع لإدارة دفة الأمور في ظل غياب أي خيار آخر.

تعليق: