مسلسل "رامي"... خيارات الاختفاء في الولايات المتحدة

26 مايو 2020
الصورة
يصوّر معاناة العرب الأميركيين بالتعبير في بلدانهم الأصلية (Hulu)
بطريقة ساخرة، يسأل رامي الرجل في متوضأ المسجد في نيوجيرسي: "إن لم أغسل ما بين قدميّ، ألن يُتقبل مني؟ هل عليّ أن أكون ملتزمًا بالكامل لأُحسب مقبولًا؟". في استعارة واضحة عن المشاكل التي تواجهه حِيال سؤال الهُويّة. يستعرض مسلسل "رامي"، الذي أطلقته شبكة Hulu عبر الإنترنت، حياة أبناء الجيل الأول من المهاجرين العرب في الولايات المُتحدة الأميركية، وذلك عبر شَخصية رامي حسن، التي وُلدت في بيئة تختلف عن بيئة الأهل، وبلغة ليست لغتهم، ولكنها الآن صارت منطقة في الوسط لهؤلاء الأبناء. 

رامي وأخته، وُلِدا بجنسية أميركية، ولكن بأصول مِصرية (الأب مصري والأم فلسطينية). يتحدث أفراد الأسرة في البيت العربية، وفي الخارج الإنكليزية، يدينون بدين الإسلام، ولكنهم أمام اختبار دائم لولائهم لما يؤمنون بهِ، وما يتوقع الآخر منهم أن يؤمنوا بهِ. يتناول المسلسل هذه الإشكالية تناولًا كوميديًا، من دون تدنيس أي من المعتقدات، وفي الوقت نفسه، تناولًا مخالفًا لكل توقعات المشاهدين، سواء في الغرب أو في الشّرق.
لربما، من أهم الأمور التي ساهمت في إنجاح العَمل، هو أن من كتبه، الممثل الرئيسي نفسه رامِي (ممثل وكاتب ومنتج)، وليسَ شخصًا أبيض أو مُستفيدًا أو مستثمرًا يحاول أن يكسب المُشاهدين عبر الترويج لصور نمطية مُعينة. حاول الشاب المصريّ رامِي من خلال هذه الفرصة التي أتاحتها له شبكة (Hulu) للبث عبر الإنترنت تسليط الضَوء على سؤال الهُويّة عند أبناء المهاجرين العرب/المُسلمين في أميركا، والذين يشعرون بأنهم دائمًا يقفون بين عالمين منفصلين، ولكل عالمٍ واجباته وحقوقه، والتي قد تبدو من بَعيد بأنها تتناقض.
في سؤال رامي الاستعاريّ أعلاه، تتضح لنا المُشكلة الأساسية في حياة هذا الجيل، فرامي الذي لا يشرب الكحول ولا يأكل لحم الخنزير، لا يمانع مُمارسة الجنس قبل الزواج مع أي فتاة بيضاء، أو حتى مع أي فتاة متزوجة، وهذا بفعل الضغط الاجتماعي الذي يعيشه، فمن الطبيعيّ لمن يعيش في ذلك العمر (28 سنة) في الولايات المتحدة مَثلًا أن يفعل ما يحلو له، ولكن ليس من الطبيعي للمسلم (حسب التصورات لديهم) أن يفعل ذلكَ، وها هُو مُجددًا يقع تحت استعارة الدخول الكامل في أحد العوالم وتقبّله، فهو يطرح سؤاله طَرحًا بسيطًا: هل عليّ أن ألتزم بكامل شروط الإسلام وتعليماته لأحسب مُسلمًا؟ يُمكننا أيضًا أن نعكس السؤال: هل عليّ أن أكون مُطبّعًا مع كل ما يفعله أبناء جِيلي في أميركا لأكون أميركيًا؟ الغريب أن هذا دائمًا يقودنا لسؤال أهم: ما هو الإسلامي الذي يقصده رامي؟ وما هو الأميركي الذي يعنيه؟ لأنّ التعريفات للاثنين حتى الآن غير شاملة وغير مُحددة أبدًا.
كل هذه الأسئلة غير المُجابة، وكل هذه الأمور التي لا يستطيع أن يجد مُبررًا لها، تتركه في حالة من الحيرة بين ثنائيات تبدو في ظاهرها مُتناقِضة، ولكن لا توجد أي مُعالجة فعليًا للقضية، وهو بالذات ما يحاول المسلسل عرضه، حالة التشتت وعدم الوضوح حول الذات والمُجتمع، حيث تُختتم الحلقة الأولى للمسلسل بتعبير رامي: "أنا أحاول فقط... أن أكون جيدًا... هل تعتقد أن الله حقًا يكترثُ إذا ما خلّلت الماء بين أصابعي؟".

ما يجعل مُسلسل رامِي مُهمًّا، هو طريقة تعامله مع جِيل الأبناء الذي لم يستطع ولم تُتح له خيارات "الاختفاء" والعيش في بيئة منغلقة مع الحِفاظ على كامل تقاليد وأعراف البلد الأصلي، وهو ما كان مُتاحًا للمهاجرين الأوائل، ولكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أُجبِر المسلمون والعرب على الظهور بعد أن كانوا في حالة اختفاء على حسب تعبير ستيفن ساليطا. أُجبروا على الظهور وعلى التعبير عن وجودهم وأن يثبتوا بأنهم أميركيون أو أنهم عرب/مسلمون، وكأن كل صفة تتناقض أو تتصادم مع الأخرى.
لا يتوقف المسلسل وكاتبه على عرض الحالة التي يعاني منها العرب/المسلمون في الغرب/أميركا فقط، بل وكيف يعانون في التعبير عن أنفسهم في بلدانهم الأصلية، ويحدث هذا عند زيارة رامي لمصر مثلًا في بحثه عن الوضوح وعمّا يُشكل كينونته وهويته، معتقدًا أنه سيجده هناك؛ حيث يتواجه مع مُجتمع آخر بتوقعات وتصورات كثيرة عنه لا تمت للواقع بِصلة.
في عشر حلقات قصيرة، تروي الأحداث من أكثر من وجهة نظر، برمزية تتجاوز شخصية الفرد الواحد وعلاقته بالمجتمع المحيط، لتوضح أنه ابن لسياقه. تحاول شخصية رامي أن تقول أولًا للمُجتمع الأميركيّ، إن له حقه في الاختلاف والتموضع بصفته أميركيًا مثل كل الأطياف المتنوعة الأخرى، وضد كل السياسات الإقصائية التي تحاول دمج المسلمين في أميركا تحت بوتقة واحدة (Melting Pot Policy)، وأيضًا ترفض التنميط الواقع عليهم بصفتهم مُهاجرين من بلدان إسلامية. وثانيًا، وبعد زيارته مصر (العربية/الإسلامية)، والتقائه بمجتمعهِ وعائلته هناك التي تُحمّله أيضًا الكثير من المسؤوليات والتوقعات حول أن على المسلمين في أميركا أن ينفصلوا عن سياق حياتهم هُناك وأن يكونوا جزءًا من جماعة وقضية أكبر وهي قضية الإسلام المظلوم، حيث يقول لهؤلاء أيضًا، بأنهم ليسوا رُسلًا، وليسوا مبعوثين، وإنما شَباب يحاول أن يعيش حياته بفردانية وبمعزل عن كل التوقعات.

بهذا العرض، وبهذه السرعة، وبهذه الخفّة الكوميدية الدرامية، نجح رامي ومسلسله في ملامسة جُل القضايا التي يعاني منها جيله، بطريقة لا يمكن اعتبارها فجّة، ولا حتى صريحة، وإنما بطريقة بسيطة يمكن لجميع الأطراف المُهتمة أن تفهمها وأن تعطيهم الحق في أن يعيشوا كما هم يريدون، وكما هم يرتؤون، لا كما يتوقع الآخرون منهم ذلك. جدير بالذكر أنّ رامي يوسف قد حصد جائزة غولدن غلوب لأفضل ممثل رئيسي في مسلسل كوميدي أو درامي عن دوره، وأن شبكة Hulu قد أعلنت تجديد المسلسل لموسمٍ ثانٍ.
تعليق: