مسلسل "جن"...معايير الخدش والحياء واللهجة العمّانية

26 يونيو 2019
الصورة
شباب مسلسل جن تعرضوا لحملة تشهير (تويتر)
لا يشبه مسلسل "جن" الذي أصدرته شبكة نتفليكس الأميركية أي مسلسل في تاريخ التلفزيون الأردني، والعربي عموماً، لاختلافات عديدة، منها الجدل والحسد من الجدل. هذه الكلمة السحرية التي يتمنى أي منتج إبداعي أن تكون حليف حظه، ودعوات الوالدين.

وقد حصل. فها هم مجموعة من تسعة شباب صغار نجوم المسلسل في ظهورهم الأول، يوفرون للصحافيين عناوين من طراز "يثير جدلاً".

لا شيء أسهل على الصحافي من هذا. أي حادث، من علكة لصقت في بنطلون إلى فيديو إباحي، كل ذلك "يثير جدلاً"، حتى إن مؤسسة صحافية، من فرط ما استخدم محرروها "أثار جدلاً" أصدرت تعليمات تمنعها إلا في أضيق الحدود، لمن "اضطر غير باغٍ".

أمر أساسي دار حوله الهجوم والدفاع: خدش الحياء العام. وبقي أمر آخر تحت سطوة الهجوم- النقد، دون رد، تمثّل في اللهجة الأردنية التي فاجأت المعترضين وبدت لهم كأنها ترجمة غوغل.

من الصعب الإجماع على تعريفات لثلاث كلمات: الخدش، والحياء، والعام. المعيار الذي خضع له المسلسل المصري "شقة فيصل" تحت لجنة "متابعة ورصد دراما رمضان" إنما بسبب شكاوى خدش الحياء.

وأي مسلسل عربي خاضع أصلاً للرقابة الرسمية، أو متفلت منها بعض الشيء، وانتبهت الرقابة لاحقاً، بعد "إثارة جدل" سيلاحق بسبب الإيحاء الحركي، أو قلب الكلمات أو ذكر حرف منها، يحيل إلى معنى خادش.

هذا ما لا ينطبق على "جن" فهو خارج هذه المعايير، ومتاح فقط لمن لديه اشتراك على شبكة نتفليكس الأميركية، أي أنه عابر للرقابة الوطنية.

ولم تكن لسلطة إقليم البتراء، والهيئة الملكية الأردنية للأفلام، يد في صناعته، اللهم منح أذون التصوير من الهيئة، وتوفير التسهيلات من سلطة البتراء.

ومع ذلك اندفعتا تحت ضغط المعارضين إلى توضيح دوريهما، مع نبرة متوعدة من سلطة البتراء، لكل من أساء للمدينة الوردية، وصور مشهداً فيها خادشاً للحياء العام.

من المعلوم أن عدة أفلام أميركية، صور أجزاء منها في البتراء أو في صحراء وادي رم. ويمكن عمل جردة لهذه الأفلام التي جاب شُقرهم وشقراواتهم بوادي عربية من المغرب حتى الأردن، دون أن يتوعد أحد بالقصاص ممن يدفعون مقابلاً جيداً، مادياً ودعائياً لمعالمنا السياحية. كذلك دون أن يكون ضمن خدش الحياء العام أي سلوك يأتي به هؤلاء الأجانب، ومن بينه، بل من أبغضه، تقديم الصحراء استشراقياً، ليس لها علاقة بوطن أو بقوم، إنما بالإثارة والسحر والبدائية.

في أحد مشاهد فيلم "ملكة الصحراء" تطلب نيكول كيدمان الجائعة من البدوي أن يسلق لها بيضاً في الصحراء، بغليه في الماء بضع دقائق. يقول لها: لا أعرف الزمن. تجيبه: اسلقه بالزمن الذي تستغرقه صَلاتك.

ألا يبدو هذا جارحاً، لا خادشاً؟ ولكن حائط نيكول كيدمان عالٍ. تخيلوا لو قال هذه العبارة فهد أو ميرا أو ياسين أو حسن ذوو الحائط الواطئ.

والحال، أن المسلسل أميركي النص. إنه مليء بالجن المختفين الذين يتلبسون البشر، وخصوصاً في البتراء، المكان السحري الذي يعج بالأساطير.

لكن الأساطير التي صنعناها بأيدينا، هي ما كنت تحمي أرواحنا، وتعين أجدادنا الأنباط على نحت صروح عظيمة في الصخر، وهي غير الأساطير التي تشغل بال الغرب، وينحتها في مخياله منذ الحروب الصليبية حتى الاستعمار الحديث: عالم مثير (إكزوتيك) غرائبي، تنبغي السيطرة عليه ونهبه.

ولذلك، حين كتب المسلسل المتاح في تسعين بلداً ضمن شبكة نتفليكس، كان الهدف تقديم فانتازيا من خمس حلقات، أبطالها شباب صغار أردنيون خارج الرقابة الرسمية التي تنظر في كل المنتجات المحلية.

ولأن من يشاهد المسلسل على الإنترنت مقابل اشتراك، ولأن نتفليكس سلطة عملاقة تجني المليارات، كان الشباب مرتاحين إلى الفرصة الذهبية. إنهم في حماية ما فوق الدولة، أو أقله خارج احتمالات التضييق.

بعض الممثلين الشباب في العرض الخاص الأول في عمّان (Getty)

لو أن المسلسل الذي تقاسم إخراجه أردني ولبناني، كان مما ينتج محلياً، لما وردت أي شتيمة، تماماً، من الطراز الشارعي. كما يمكن الافتراض أنني سأكتب مادتي هذه بانفتاح أكثر على فيسبوك، متحللاً من معايير صحيفتي.

ومن مأمنه يؤتى الحذر، فقد وجد المسلسل على الإنترنت مليشيات من كل حدب وصوب، تثير الزوابع ضد مسلسل رأوا أنه لا يعبر عن الأردن، ولا أخلاقه. وتعرض الممثلون لحفلات شتم وتشهير، وجدت أصداءها لدى برلمانيين ورجال دين، طرّزوا البيانات الرسمية.

هدأت الزوبعة الآن. إذ إن فلكلور الزوابع والظواهر الصوتية تأخذ وقتها لدينا بمقدار ما يأخذ "العرس الديمقراطي" وقته. الديمقراطية نمط حياة طويلة، والعرس الديمقراطي سهرة نعرف فقط متى تبدأ، ولا نعرف نهايتها إلا حين تحضر الشرطة وتفض الاشتباك بين أبناء عم العريس.

هدأت الزوبعة، وعرفنا أن خدش الحياء هو الشتائم التي تبادلها الممثلون في مسلسل، وهي غير الشتائم نفسها التي انهالت عليهم، حتى "يسلم الشرف الرفيع من الأذى".

كان يمكن اختصار الكثير من الشتائم في المسلسل. شتيمة مقذعة واحدة تكفي لإثارة زويبعة. هذا الكم الهائل من الكلمات ذات النمط الأميركي، التي لها مقابل غزير في شوارعنا، تدفقت على ألسنة شباب أردنيين، بمبالغة في مسلسل.

هذه المبالغة، لا يشبهها سوى البرامج الحوارية التي تقيس مقدار فسحة حرية التعبير في تبادل النعوت، والسباب.

أضاف الغاضبون الموسميون على مواقع التواصل، عدم تمثيل المسلسل سوى فئة ضيقة ثرية في عمان الغربية، المعزولة عن المجتمع، يمكن تنميطها بسهولة: ثراء فاحش+ أخلاق فاحشة.

غير أن المدافع عن المسلسل أو المتمهل في إطلاق الحكم، قد يقول "هذه بتلك"، أو "عزلةً بعزلة". فالأردن، كانت له فئة ضيقة عزلته على مدار عقود في مسلسلات جعلت البداوة الناطق الرسمي للأردن.

المخرج الأردني فيصل الزعبي دعا في صفحته على فيسبوك مؤخرأ إلى الكف عن تقديم الأردن بدوياً دائماً، وهي ليست الأولى على كل حال.

طاقم مسلسل "جن" (Getty)

أما المسلسل، فلأن كتابه ليسوا عرباً، جعلوا البدوي كما يظهر دائماً في المنتج الغربي. إنه إنسان نتفليكسي على نحو ما، أي خارج الحسبة الوطنية.

كان يمكن للمخرج الأردني أمين مطالقة تعديل النص، وعدم ترك البدوي وحيداً في التصنيف، وأن ينادى بالبدوي طوال الوقت، كأنه نبت صحراوي، لا مواطن أصيل.

 في أكثر المقالات والتعليقات جدية، جرى تناول لهجة المسلسل العمّانية. انتقدت شخصية بدوي "يركبه جن" فيتحدث طوال الأحداث باللهجة المدنية، والرجل المدني يقسم الجملة إلى قسمين، مدني وبدوي.

أزعم أنها المرة الأولى التي تسمع فيها لهجة عمّانية محضة في مسلسل أردني. كما أزعم أن المشاهد العربي تعرف للمرة الأولى إلى خصائص هذه اللهجة، المختلفة عن مدن بلاد الشام.

بيد أن حملة التشهير في المسلسل، منعت إمكانية سماع اللهجة وتطوراتها.

في الأردن نتذكر مسلسل "العلم نور" في الثمانينيات، وهو كوميديا لطيفة عن كبار السن في مدرسة محو أمية. كل واحد منهم يتحدث بلهجته الصرفة: المدني والفلاح والبدوي، وهم ليسوا ثلاث فئات فقط وإنما فروع، فهناك مدنيون من مدن فلسطينية وأردنية، وفلاحون من شمال الأردن وجنوبه، ومن فلسطين.

هذه "الصفقة" الكوميدية قامت على المحبة، إلا أنها شاعرية الهوى. على عكس مسلسل "جن" الذي كانت اللهجة العمّانية فيه الدرس الحقيقي، إذ طبخت مفرداتها على مدار عقود لهجة مدينة تأسست بعد قيام الدولة، لا كما تنشأ الدول من رحم مدن راسخة.

تتفرد لهجة المسلسل دون المدن الشامية بأنها تقتسم جماليات جديدة، ليس هنا مجال بحث دوافعها. في البيت العمّاني ذكر وأنثى، القاف للذكر تلفظ G بالإنكليزية، وهمزة للأنثى.

وليس صحيحاً ما ورد في أحد المقالات، أن رجلاً في ذات الآن يتحدث لهجتين بدوية ومدنية. هذه هي لهجة عمّان في الحقيقة.

أخيراً، بعدما نال الممثلين ما نالهم من تجريح، يمكن التربيت قليلاً على مواهب سيكون لها شأن. انتظروا زيد زعبي تحديداً وسلطان الخيل، دون التقليل من جودة الأداء لدى الباقين.

زيد، لو كان في مسلسل مراقبة طهارته في أعمال تلفزيونية عهدناها، لما ظهرت لغة الجسد لديه بهذه التلقائية، ولكانت كلماته بطيئة كمن يمضغ البلاغة مع رغيفين في فم واحد.

تعليق: