مسلسل "أثر الفراشة": لامنطق بين زمنين

25 مايو 2019
الصورة
مشهد من المسلسل (فيسبوك)
+ الخط -
العام الماضي، أنتجت المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني في سورية مسلسل "وحدن"، للمخرج نجدة أنزور، الذي تبنى حينها، مع من تبقى من فريق العمل، فكرة أن العمل ينتمي لنمط الواقعية السحرية، الذي اشتهر به الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، دون أن يقتنع المشاهدون بوجود أي صلة تربط بين مسلسل أنزور وروايات ماركيز. وهذه السنة عادت المؤسسة العامة لتنتج مسلسل "أثر الفراشة"، الذي صرّح صناعه بأنه مقتبس عن رواية "الحب في زمن الكوليرا"، لماركيز أيضاً.

في الحقيقة لا يمكن فهم الرابط بين الكاتب الكولومبي والمؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني في سورية، كما أنه لا يوجد أي سبب منطقي يدفع الفنانين في سورية، للانتهال من أعمال ماركيز في هذا الوقت. لكن، كل ما يمكن تأكيده، أن ماركيز وإرثه الأدبي بريء كل البراءة من الأعمال الدرامية السورية التي تنسب إليه.

يصعب التعاطي بجدية مع مسلسل "أثر الفراشة"، الذي ألفه محمد عبد الكريم وأخرجه زهير قنوع، بسبب الكم الكبير من الهفوات اللامنطقية التي تتخلله نصاً وإخراجاً، وبسبب المحاولات الكثيرة والمبتذلة لتقديم عرض درامي يمتاز بروح شعرية. ومع ذلك، فإن معالجة العمل درامياً يجب أن تبدأ من العنوان "أثر الفراشة"، الذي يحيلنا على الفور لمحمود درويش وقصائده، لتبدو لغة المسلسل المبتذلة، التي تحاول أن تلتمس الشعرية، بشكل أكثر قباحةً، إذا ما قورنت بديوان درويش الشهير. علماً أن درويش، الذي استهلكته الدراما السورية مسبقاً، من خلال إنتاج مسلسل عن حياته ومن خلال حضور قصائده في الكثير من الأعمال، بات بحد ذاته صورة نمطية تكرّسها الدراما السورية عن نمط الشاعر، وكون بطل العمل شاعراً، فإن استخدام اسم قصيدة لمحمود درويش كعنوان للعمل، لا يبدو أمراً غريباً، وإن كانت حبكة المسلسل تقوم بالأصل على ردود الفعل العنيفة واللحظات العاطفية الانفعالية، ولا تمت بصلة لفكرة "أثر الفراشة" الذي لا يزول ولا يرى، كما يصفه درويش.

اللامنطق يحكم كل تفاصيل العمل، فالعلاقة بين الزمنين اللذين تدور بهما القصة تبدو لا منطقية إلى حد الطرافة. فمن الغريب حقاً أن نجد الشخصيات التي تعيش بالزمن الحاضر، وعلى جدران منازلها شاشات "LED" تنتقل بذاكرتها إلى الماضي بعد لحظات، لنراها محاطة بالراديوهات الخشبية الكبيرة التي تنتمي لحقبة الأربعينيات؛ علماً أن بطلي العمل يبدوان في الخمسين أو الستين من عمرهما. ولكن الأشد غرابة هو أول خطوة قام بها المخرج، في اللحظة التي وزع بها الشخصيات، إذْ أعطى دور البطولة (في العمل شخصية "فؤاد") للممثل اللبناني بيير داغر، وبالمقابل فإن الممثل السوري ياسر البحر هو من يلعب الشخصية ذاتها في الزمن الماضي.



لكننا لا نبالغ إن ذكرنا بأن هذه الأخطاء الكارثية، لا تعتبر أسوأ ما في المسلسل؛ إذ إنه كلما ابتعدنا عن القصة الرئيسية في العمل، ودخلنا بعلاقات الحب الفرعية في العمل، التي تجمع شخصيات الفنانين في أروقة المسرح، فإن المسلسل يبدو أكثر سوءاً وضعفاً؛ فاللغة الشعرية المبتذلة والإيقاع البطيء الذي تتحرك به الكاميرا والأحداث، للإيحاء بأن ما يحدث هو رومانسي وجميل، أسوأ بكثير من تحوّل شاب سوري في العشرين من عمره إلى رجل لبناني خمسيني بعد مرور زمن لا منطق فيه.

دلالات

المساهمون