مسلسلات البيئة الشامية: شاشة تُحدّق في وجوهنا

28 مايو 2019
الصورة
يجد بعض المشاهدين خلاصاً عاطفياً في هذه المسلسلات (Getty)
ستة مسلسلات رمضانيّة على الأقل، تدور أحداثها أو صنفت حسب البعض بأنها "بيئة شاميّة". تقليدٌ يمكن أن يقال إنه أخذ صيغته الشعبيّة في مسلسل "أيام شاميّة" (إخراج بسام الملّا، 1992) ما زال مستمرّاً حتى الآن، ليتحول هذا الشكل إلى نوع يتداخل فيه المتخيل مع التاريخيّ، وتتحرّك شخوصه وقيمها وعاداتها في مساحات ما قبل "الحداثة"، أي قبل قيام الدولة الوطنيّة بمفهومها المعاصر، بغضّ النظر عن الرداءة أو الجودة، ومدى "حقيقة" ما نراه منذ التسعينيات حتى الآن. نحن أمام تدفق لامتناهٍ من الصور والأشكال المتخيّلة، التي أسست لتاريخ ساخر لا جديّ، مفرط في رؤيته الأخلاقية لسورية ومنطقة بلاد الشام. 
هذا التدفق المتخيّل تركنا أمام شكل نوستالجي عن الماضي، تتحرك ضمنه أنماط وشخصيات لا واقعيّة، ذكورية، خلال فترة استعماريّة، وتنتج حكايات ومواقف تبلغ أحياناً حدّ الابتذال. لا نحاكم هنا المخيّلة أو الحق باللعب، وخصوصاً أن الكثير من هذه الإنتاجات لا تدّعي الدقة التاريخيّة، لكننا نطرح سؤالاً عن الشكل: لماذا هذا الكيتش منتشر بكثرة ومستمر؟
إذا افترضنا أن هذه الأشكال هي فعلاً "كيتش"، فهي "نُسخٌ" لا ترتقي بالذوق الفني، مع ذلك لا يمكن مقاومتها. هي أسرة تحدّق في وجهك دوماً، هي كالكيتش الذي يدفع الفرد لمساءلة "ذوقه"، بوصفها معياراً للرداءة ربما، أو الجودة. الأهم أن وجودها من حولنا غير مبرر، لكنها مستفزة تدفعنا إلى التعليق عليها، إذ تخلق لدى بعض المشاهدين نفس الانطباع، حين يشاهد على الجدار في غرفة الجلوس في المنزل لوحة لأحصنة بيضاء تركض في الحقل، هي فقط للزينة بالمعنى المبتذل.
الأمر نفسه حين نشاهد هذه الإنتاجات، لا نعلم لم هي حاضرة - أو نعلم أن هناك إنتاجاً وعرضاً وطلباً - لكننا نجد أنفسنا كمشاهدين في منازلنا معرضين لها دوماً، حتى في الشارع، وخصوصاً أن مشاهدتها تهدّد الذوق الذاتي، وموقف الآخرين منا.
السؤال هنا يعود إلى تاريخ الصناعة الثقافية والفنيّة. هل يمكن أن نصدق من يُعجب بكيتش، وفي ذات الوقت قادر على "تذوق" أشكال "الفنّ" الأخرى؟ لا إجابة واضحة عن هذا السؤال، لكن بالعودة إلى تاريخ الصناعة الثقافيّة، وهذه الأنواع من المسلسلات، تلك الموجودة والمتكررة والمستنسخة وأحياناً المبتذلة، يمكن أن نفرّق بين نوعين من المشاهدين. 
النوع الأول هو المشاهد الساخر، ذاك الذي يمتلك موقفاً سلبياً مما يشاهده. نقصد بسلبي؛ أي إنه لا يصدق أياً مما يحدث ولا يأسره الشكل الموجود، أي يخال اتفاق الفرجة الضمنيّ، هو ذاك المتهكم، الذي يُشاهد حفاظاً على ذوقه، منتقداً ومُثبتاً ترفّعه عن هذا الشكل من "الترفيه"، هو النوستالجي الذي يؤمن بالتقسيم بين الراقي والمنحط، ويعي أن هذه الأشكال الفانتازية التي يراها ليست إلا شكلاً من أشكال الهيمنة السياسيّة و"الرداءة" الفنيّة، كحالة مسلسل "باب الحارة" الشهير، الذي تموت وتحيا فيه شخصيات لأسباب خارجة عن أحداث المسلسل الداخليّة، ويتغير شكله وطبيعة الحكايات بناءً على المتغيرات السياسيّة، ليصبح المسلسل مجرد شكل فانتازي لبروباغاندا سياسيّة، مغرقة في التفاهة أحياناً، تسخر من المشاهد ومن التاريخ في ذات الوقت، لكنها وكما نرى حالياً ما زالت مُتابعة، وإنتاجها يستمر. 
الشكل الثاني للمشاهد هو ذاك الميلودرامي، الذي يجد خلاصاً عاطفياً في ما يراه، هو أيضاً نوستالجي، لكنه يحنّ إلى ذاك الزمن المتخيّل، زمن الأدوار الواضحة، والأخلاق الواضحة، "الزمن الجميل"، حيث الصدق والمروءة والوفاء والطاعة، هذا النموذج من المشاهد هو الجمهور الأكثر استهدافاً، لكونه يرى في الشكل الجماليّ تعبيراً عن حنينه، ونفياً لواقعه الحاليّ عبر بديل فانتازيّ. هو يعلم أنه لا يمكن أن "يحياه" الآن، أو أن يختبر كلّ قيمه. هو ذات المشاهد الذي يتأثر بالموسيقى التصويريّة للمسلسل، وتهب فيه الحميّة في المشاهد الحاسمة، وينتفض لتعبيرات الشخصيات المبالغة حين تُفاجأ أو تحزن أو تفرح.
هنا تكمن خطورة هذه الأشكال وما تحويه من نماذج ذكورية وعنيفة وسياسية، لأنها كأي شكل من أشكال الصناعة الثقافية، نعلم أنها لا جديّة، لكننا نقتبس منها، لا نتبناها كلياً، بل نجمع منها بوعي أو بغير وعي قيماً ومفاهيم و "حدوداً" ونعيد إنتاجها، وأحياناً نؤديها، سواء كان ما نقتبسه عرفاً أو فكرة أو حكماً، هي جزء من المنتجات التي تكوّن وعينا بهذا العالم، خصوصاً أنها مهيمنة، وتمثّل جزءاً من تدفق أشكال الترفيه والتسلية في الفضاء الخاص، حيث المشاهد في أضعف لحظاته، "يتسلّى" من دون أي رقيب.