مسرح العرائس في مصر.. الدولة على الخشبة

03 ديسمبر 2016
الصورة
+ الخط -

في جو يميل إلى الصقيع، ودرجة حرارة تقارب العشرة مئوية، يصبح الاحتماء بجدران دافئة غاية يصبو إليها الجميع، وتنتقل الفسحة الأسبوعية المفضلة للأسرة المصرية من التسكع في شوارع القاهرة إلى مشاهدة فيلم سينمائي داخل دار عرض في وسط البلد، أو الاستمتاع بعرض مسرحي مناسب للأطفال على مسارح الدولة. لهذا، يحتل مسرح العرائس في العتبة مكانة متميزة لدى الأسر المصرية الباحثة شتاءً عن دفء ليلى ومتعة لأطفالها.

لم يعد لسندريلا والساحر أوز والأميرة النائمة، مكان في قائمة مسرح العرائس المصري؛ فالعرض الذي يتغير كل ثلاثين يومًا أضحى يحمل من التوجهات السياسية والمعلومات المدرسية أكثر مما يحمل من المتعة والبهجة.

هكذا، لم تعد، العرائس، تلك البهجة الخالصة الخالية من أي اتجاه سياسي، تطأ خشبة مسرح العتبة؛ فالعرض الذي يُفتتح بالسلام الجمهوري شهد خلافًا بين حاضريه، بين من وقف إجلالًا للنشيد الوطني، واستمرار آخرين على مقاعدهم منشغلين بهواتفهم المحمولة من دون الالتفات للمحاولات المستمرة لتوقيفهم للتحية: "ده مسرح وعرض للأطفال ما الداعي لبدايته بالسلام الجمهوري".

"سنوحي"، آخر المسرحيات المعروضة للأطفال على مسرح العرائس، بعد التحية والسلام الوطني، يبدأ العرض بصوت أحمد راتب قائد مركب الأطفال في مدينة الإسكندرية. يضم العمل، إلى جانب قائد المركب، طفلين ومعلمتهما.

خرج الطفل الصغير إلى الصيد، فاصطادت سنارته "سنوحي" بدلًا من السمك. الطبيب الفرعوني الذي عالج الفقراء، في عهد "أممنحات الأول" ثم عرف مؤامرة أبنائه ضده؛ فبدلًا من إنقاذه فرّ هاربًا إلى بلاد الشام، عرفته البلدة الشامية باسم "سنوحي المصري" الطبيب الماهر. ذاع صيته حتى وصل للملك فصار طبيبه ومستشاره. التاريخ أنصف سنوحي رغم خيانته مرتين، للملك أممنحات في المرة الأولى حين لم يخبره بالمؤامرة ضده، وكذلك حين غدر بالملك الذي أكرم وفادته في بلاد الشام فسرق سنوحي سيفًا معدنيًا، وهو السلاح الذي تم اكتشافه للمرة الأولى في الحرب بين بلاد "رتنو" و"مصر"، ليعود به إلى وطنه طالبًا أمان الملك والسماح له بالإقامة له ولأسرته في مصر.

بطولة "سنوحي" التي عرفها التاريخ لم تكن هي القصة التي وردت عنه على مسرح العرائس في العتبة؛ فاكتفى مؤلفوها بأن يكون الطبيب المصري الأشهر دورًا ثانويًا في مسرحية لوصف مصر من الإسكندرية إلى النوبة في رحلة بحث عن "سفينة سنوحي" التي ستحمله للعالم الآخر بعد عودته للحياة.

بدءًا من الإسكندرية، مرورًا برشيد، وصولًا إلى القاهرة، ثم الارتحال جنوبًا نحو بني سويف، والمنيا وثم الأقصر وأسوان والنوبة، كانت رحلة البحث عن السفينة نموذجًا لكيفية تحريك السياسة مع خيط العرائس؛ فقد كانت العصابة الشريرة تطارد الأبطال الذين يتصدرهم "سنوحي" بصوت الفنان المصري أحمد بدير (المعروف بقربه من النظام المصري) بينما كان الجميع يردد "هنقول للعصابة لأ".

في الاستراحة بين فصلي المسرحية، غادر عدد غير قليل المسرح، وباتت المقاعد خالية، بينما انشغل البقية في فتح أكياس التسالي ومراجعة حساب بائع غزل البنات فرارًا من صوت علي الحجار، وهو يغني في نهاية العرض "والعادل يبقي ريسنا والظالم هنقوله لأ".

 

المساهمون