مساعدات شحيحة لمخيم الركبان

04 نوفمبر 2018
الصورة
بيوت المخيم مهددة بالسقوط على قاطنيها (عماد غالي/ الأناضول)
+ الخط -


بعد انتظار دام نحو تسعة أشهر، وصلت قافلة الأمم المتحدة التي تحمل مساعدات إنسانية إغاثية إلى مخيم الركبان مساء أمس. وقد دخلت المخيم المحاصر بعد انتظار دام ساعات عدّة في نقطة التنف العسكرية التابعة للتحالف الدولي. أتى ذلك بعدما كانت الأمم المتحدة قد أبلغت أخيراً الإدارة المدنية في المخيم، أنّ المساعدات الإنسانية المقرر إيصالها إلى النازحين في المخيم ستتأخر، لمشاكل لوجستية بالإضافة إلى الطقس السيئ الذي يمر به المخيم. وجاء رد الأمم المتحدة عبر رسالة للإدارة المدنية في المخيم عقب مناشدات ونداءات استغاثة كررها النازحون فيه، ممن تحولوا إلى محتجزين.

وفي وقت سابق، ناشدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" من وصفتهم بأطراف الصراع لإدخال المساعدات الإنسانية لنازحي المخيم، بعد تدهور الأوضاع الإنسانية فيه وتفاقمها، وتكرار الوفيات شبه اليومية منذ مطلع شهر سبتمبر/ أيلول الماضي. وقالت المنظمة في تغريدة لها عبر حسابها على "تويتر": "مرة أخرى، تعود يونيسف لتناشد جميع أطراف النزاع في سورية وأولئك الذين لهم نفوذ عليهم، لتسهيل وصول الخدمات الأساسية، بما فيها الصحية، إلى الأطفال والعائلات. إنّها كرامة الإنسان في حدها الأدنى". أشارت في تغريدة أخرى إلى أنّ الحالة الإنسانية تزداد سوءاً، جاء فيها: "في المنطقة القريبة من حدود الأردن الشمالية الشرقية مع سورية، سيزداد الوضع سوءاً بالنسبة لما يقدّر بـ45 ألف شخص، من بينهم كثير من الأطفال، مع اقتراب حلول أشهر الشتاء الباردة، خصوصاً عندما تنخفض درجات الحرارة".

وبحسب مصادر مسؤولة في المخيم، ارتفع عدد وفيات النازحين في مخيم الركبان إلى 15 شخصاً في الأيام العشرة الأولى من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في ظل النقص الحاد في المواد الطبية والغذائية. وفي هذا الخصوص، يقول النازح من مدينة تدمر، ليث النزال، لـ"العربي الجديد"، إنّ النظام بدأ منذ الثامن من أكتوبر قطع الطريق باتجاه المخيم بشكل نهائي، ومنع السيارات التي تنقل المواد الغذائية الآتية من دمشق من الوصول إلى المخيم، وفرض غرامة تقدر بمليون ليرة سورية على كلّ سيارة تحاول العبور إلى المخيم بالإضافة لحجزها. يضيف النزال: "أسعار المواد الغذائية ارتفعت بشكل كبير وصل إلى ضعفي سعرها، كما بدأت تنفد من المخيم، فقد أغلقت معظم المحال التجارية في المخيم لنفاد السلع من رفوفها. الجوع بدأ يفتك بالمخيم وليس هناك ما يسد رمق الأهالي، والمتأثرون أكثرهم الأطفال الذين يبلغ عددهم في المخيم قرابة 20 ألف طفل. هذه سياسة ممنهجة يتبعها النظام، فيما المجتمع الدولي صامت ولا يحرك ساكناً، فأصبحنا في مخيم النسيان والموت البطيء. الجانب الأردني كذلك، يرفض التحرك، ويجري تحميلنا مسؤولية جرائم داعش، مع أنّنا لجأنا إلى الصحراء القاحلة هرباَ من ظلم داعش والنظام".



المعاناة الأكبر في المخيم يعيشها الأطفال الذين فقدوا الرعاية الصحية والإنسانية، وفي الوقت نفسه لا يمكن لذويهم تقديم الطعام الكافي لهم بسبب الحصار المضروب على المخيم. تذكر فاطمة العموري، النازحة من مدينة تدمر، وهي أم لأربعة أطفال، أنّ معاناتها بدأت تزداد مع نفاد المواد الغذائية وحليب الأطفال من المخيم، أما طبخها فلا يحتوي إلّا القليل من المواد المغذية. تخاف على أطفالها من الموت جوعاً، خصوصاً أنّ أحدهم يعاني من سوء التغذية. تقول العموري لـ"العربي الجديد"، إنّها تأمل بأن تتولى المنظمات الدولية إنقاذ سكان المخيم من الموت جوعاَ بعد بدء نفاد الغذاء والدواء منه، متمنية ألّا تتأخر هذه الجهود كي لا يفوت الأوان.  في هذا الإطار، أطلقت الإدارة المدنية في المخيم والناشطون نداء استغاثة عاجلاً إلى الحكومة الأردنية والمنظمات الدولية والجمعيات المحلية لإنقاذ ومساعدة المخيم.

في المقابل، تقول فدوى عبد ربه بارود، المسؤولة في الأمم المتحدة في دمشق، إنّ "قافلة المساعدات الإنسانية المشتركة بين الأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري التي كان مزمعاً إرسالها إلى مخيم الركبان تأجلت، لأسباب أمنية ولوجستية". تضيف: "ما زالت الأمم المتحدة مستعدة لتقديم المساعدات لخمسين ألف شخص حالما تسمح الظروف بذلك".




ويؤكد عضو تنسيقية تدمر، خالد الحمصي، لـ"العربي الجديد"، أنّ "المخيم يحتاج إلى المساعدة العاجلة في ظل إغلاق النظام للطريق ومنع وصول المواد الغذائية في خطوة لإرضاخ سكان المخيم بالمصالحات والتسويات". يضيف أنّ الأحوال في المخيم تسوء يوماً بعد يوم، خصوصاً مع شح الأدوية والأغذية وازدياد حالات الوفاة، منذ بداية هذا الشهر، وكان آخرها وفاة الطفلة هدى رسلان، النازحة مع عائلتها، وذلك جراء تدهور حالتها الصحية ورفض السلطات الأردنية نقلها إلى النقطة الطبية التابعة لليونيسف داخل الأراضي الأردنية. يتابع الحمصي أنّ الوضع الصحي سيئ جداً وهناك نحو 150 حالة مرضية تحتاج إلى تدخل سريع ونقل إلى المستشفيات، في ظل تقاعس النقطة الطبية التابعة لمنظمة يونيسف داخل الساتر الأردني، كما أنّ سياسة التضييق في ما يخص وسائل البقاء على قيد الحياة خطة يطبقها النظام بعد رفض الغالبية العظمى من سكان المخيم العودة المذلة إلى مناطق سيطرته، وهذه السياسة يطبقها بالتعاون مع جزء كبير من المجتمع الدولي الذي يغمض العين تارة ويلمح لإمكانية حل الموضوع بالضغط على النظام لتسهيل عودة الناس تارة أخرى.

أطلق أهالي المخيم والإدارة المدنية فيه نداءات استغاثة بعد وفاة رضيعين في المخيم خلال أقل من 24 ساعة جراء انعدام الرعاية الصحية فيه ورفض السلطات الأردنية استقبال الحالات المرضية الخطرة في المخيم الذي يعيش فيه 65 ألف نازح يعانون من ظروف إنسانية صعبة وحصار خانق يطبقه النظام، وحدود مغلقة من جهة الأردن.



عن مخاوف النازحين في المخيم من فصل الشتاء وتبعاته، يقول نور الخطيب لـ"العربي الجديد": "الوقود المتوفر لدى البعض في المخيم للتدفئة والطبخ هي أعواد النباتات الصحراوية، ومن بينها الشنان، لكن بالطبع بعد اعتماد الناس عليه في الأعوام الماضية بدأ يختفي من المنطقة المحيطة بالمخيم، وبات الأهالي يعتمدون على الأكياس البلاستيكية والملابس البالية لديهم لتدفئة أولادهم. ويجمع الأطفال الأكياس البلاستيكية والأوراق من مكب نفايات المخيم، والاعتماد على هذه المواد للتدفئة داخل بيوت طينية وخيم من القماش والنايلون كان يتسبب بأمراض تنفسية وحالات اختناق للأطفال على وجه الخصوص والكبار على وجه العموم".

تروي خديجة محيسن، لـ"العربي الجديد"، ما مرت به العام الماضي خلال عاصفة مطرية ضربت المخيم، إذ كاد البيت الطيني ينهار عليها وعلى أبنائها، وتقول: "كنا نظن أنّ البيت متماسك وبإمكانه الصمود أمام المطر، لكن التربة التي صنعت منها الجدران لم تكن متماسكة فانهارت مع الهطول الغزير للمطر، وأحمد الله أنّي نجوت مع أطفالي. عائلات كثيرة في المخيم مرت بتجربتنا المخيفة ولحسن الحظ خرجنا قبل حلول الكارثة". تشير محيسن إلى أنّ "الظروف الصعبة والمأساوية خلال الشتاء الماضي أجبرت إحدى النساء على تمزيق ما يملكه أطفالها من ملابس يرتدونها في فصل الصيف، وأشعلت النار فيها كي تؤمن لهم بعض الدفء، ووصلت بنا الحال إلى تمني الموت لنخرج من هذه الظروف القاسية".

بدوره، يقول الممرض زين العبد، لـ"العربي الجديد"، إنّ نازحي المخيم يعتمدون على طرق بدائية لعلاج نزلات البرد والأنفلونزا وغيرها من الأمراض المصاحبة للبرد والشتاء، فالأدوية لم تكن متوافرة إلا بكميات ضئيلة حينها مع وجود النقطة الطبية التابعة لليونيسف داخل الحدود الأردنية، أما الآن ومع إغلاق تلك النقطة، فإنّ الأوضاع الإنسانية ستزداد سوءاً وستصبح قاسية على الجميع.




يقع مخيم الركبان في أرض صحراويّة حدودية قاحلة في أقصى الجنوب الشرقي من سورية، بالقرب من الحدود مع الأردن والعراق. أُنشِئ في المنطقة الحدوديّة من الجهة السوريّة بعد منتصف عام 2015 مع بدء هجوم تنظيم "داعش" على المدن والبلدات في البادية السورية. يمتد على طول 7 كيلومترات من المنطقة المحرمة المنزوعة السلاح بين البلدين وبعمق 3 كيلومترات، قرب القاعدة العسكرية الأميركية في التنف التي باتت تعرف بمنطقة الـ"55". معظم النازحين إليه فروا من المناطق الشرقية في ريف حمص الشرقي وعمق البادية السوريّة التي سيطر عليها تنظيم "داعش"، ومعظم نازحي المخيم من مدن تدمر ومهين والقريتين، بالإضافة إلى البدو وعشائر البادية السورية. ضم المخيم نحو 80 ألف نازح في ذروة اكتظاظه، بينما تقدر الأمم المتحدة عدد قاطنيه اليوم بحوالي 46 ألفاً.