مزالق الإصلاح في السعودية

23 ابريل 2018
الصورة
+ الخط -
تتسارع خطوات الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في السعودية، بشكل لم يسبق له مثيل منذ التأسيس الثالث للدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز آل سعود، أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي. وتعد هذه هي الموجة الثالثة من الإصلاحات البنيوية التي تجري في المملكة، وذلك بعد الموجة الأولى التي بدأها الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز (1906- 1975)، سواء عندما كان وليّاً للعهد، أو بعدما خلع أخاه الملك الراحل سعود بن عبد العزيز من الحكم، وتولى السلطة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1964، والتي شهدت إصلاحات تعليمية وإدارية واقتصادية واسعة، كان لها أثر كبير في انتقال السعودية من دولة تقليدية إلى دولة حديثة اقتصادياً وإدارياً ومؤسسياً. ثم جاءت الموجة الثانية من الإصلاحات أوائل التسعينيات، وتحديداً بعد حرب الخليج الثانية، وما طرحته من تحديات وتساؤلات عديدة بشأن استقرار المملكة، ودور المجتمع في صناعة القرارات المصيرية، خصوصا الاستعانة بقوات أجنبية لحماية المملكة من خطر صدام حسين، وزيادة الضغوط الداخلية من خلال "العرائض" السياسية التي كانت تطالب بإدخال إصلاحات سياسية، تضمن المشاركة السياسية لمختلف فئات المجتمع. وقد نجم عن هذه الضغوط وضع النظام الأساسي للحكم (يعد بمثابة دستور المملكة)، ونظام المناطق (الأقاليم)، ونظام مجلس الشورى، والتي كان لها جميعاً دور مهم في تنظيم
الأوضاع السياسية في المملكة خلال العقود الثلاثة الماضية. والآن، تأتي الموجة الثالثة من الإصلاحات التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ويرغب من خلالها في تحويل السعودية من دولة "تقليدية" إلى دولة متقدمة، لها وزن على الساحة الدولية، حسبما يقول.
وفي وقتٍ لا يمكن فيه فصل عملية الإصلاح الجارية الآن عن رغبة بن سلمان في تقوية نفوذه وشرعيته داخل البلاد، إلا أنها أيضا تتلاقى مع رغبات وأشواق للتغيير الاجتماعي والثقافي ظلت محبوسةً طوال العقود الماضية، خصوصا بين الشباب السعودي الذي يمثل الآن نسبة الشباب في المجتمع السعودي وعدم وجود منافذ للتعبير السياسي، ناهيك عن ارتفاع نسبة المتعلمين والحاصلين على دراسات عليا بين هؤلاء الشباب، من خلال برنامج الابتعاث الخارجي الذي بدأه الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز.
يتبّع بن سلمان أسلوباً مختلفاً عن سابقيه فيما يتعلق بتنفيذ أجندته الإصلاحية، فهو لم يبدأ إصلاحاته بشكل تدريجي، كما فعل أسلافه، وإنما يتبع ما يسميه هو شخصياً أسلوب "الصدمة"، خصوصا فيما يتعلق بملفات الفساد والإصلاح الاقتصادي. وهو يرغب في حرق المراحل الإصلاحية بشكل سريع، في أثناء وجود والده الملك سلمان بن عبد العزيز في السلطة، وذلك من أجل ضمان عدم وجود ممانعة لها، سواء داخل الأسرة الحاكمة أو بين أفراد المجتمع السعودي. ولا يبدو بن سلمان عابئاً بتداعيات إصلاحاته على بينة المجتمع السعودي. لذلك، ثمة مزالق تواجه الموجة الإصلاحية التي يقودها بن سلمان حالياً، لعل أولها قدرته على عمل توازن ما بين الإصلاحين، الاجتماعي والاقتصادي، وقدرة المجتمع على هضم هذه الإصلاحات واستساغتها في فترة وجيزة، خصوصا أنها تتم بشكل انفرادي، ومن دون تنسيق أو تشاور مسبق مع ممثلي البنى الاجتماعية والقبلية والدينية في السعودية. ثانيها، قدرة بن سلمان على توفير الدعم الداخلي اللازم لإصلاحاته. والدعم المقصود هنا ليس إعلامياً أو سياسياً، فالمسألة محسومة له من خلال تحكمه في وسائل الإعلام وتوجيهها كيفما يشاء، وإنما المقصود هو الدعم الاجتماعي، خصوصا من الفئات المحافظة من الطبقتين، الوسطى والدنيا، واللتين تريان فيما يحدث انقلاباً على ثوابتهما الاجتماعية والثقافية والدينية. وثالثها، مدى وإمكانية وجود فئات وجماعات داعمة للإصلاحات الجارية، وتقوم بتسويقها محلياً وخارجياً. ففي
الموجات الإصلاحية السابقة، كانت هناك فئات وجماعات داعمة للإصلاحات التي قام بها الملكان، فيصل وعبد الله، وكانت تأتي في أغلب الأحوال من الإسلاميين أو بالتعاون والتحالف معهم.
هذه المرة اختار بن سلمان الدخول في مواجهةٍ مع هؤلاء، واستبدالهم بطبقة أو مجموعة طفيلية هامشية، ليس لها جذور أو تأثير حقيقي داخل المجتمع السعودي. صحيح أن ثمة قبولا عاما لإصلاحات بن سلمان، ولكن لا يبدو أن ثمة حاضنة اجتماعية أو سياسية لها، باستثناء أصوات إعلامية ومثقفين مرتبطين بالسلطة لا يتمتعون بشعبية أو تأثير حقيقي. وأخيراً، لا يمكن لبن سلمان الاستمرار في إصلاحاته الاقتصادية والاجتماعية من دون القيام بإصلاحات سياسية، ولو تدريجية (مثل انتخاب مجلس الشورى أو توسيع الانتخابات البلدية لتشمل كل مناطق المملكة أو السماح بإنشاء جمعيات سياسية). وذلك أنه مع مجتمع كبير، كالمجتمع السعودي، من الصعب قبول الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية ودعمها، من دون أن يكون شريكا فيها.