مزارعو الأردن... اعتصام مفتوح رفضاً للضرائب الجديدة

05 فبراير 2018
الصورة
يتابع المزارعون اعتصامهم (العربي الجديد)
+ الخط -
قطاع الزراعة وتربية المواشي في الأردن مهدد بضربة كبيرة قد تقفل كثيراً من المزارع. هذا ما يؤكده مزارعون يعتصمون منذ الأسبوع الماضي أمام مبنى البرلمان في عمان احتجاجاً على ضرائب جديدة

قطع المزارع، ركاد الطبشات، أكثر من 200 كيلومتر من قرية العيص التابعة لمحافظة الطفيلة الجنوبية إلى العاصمة عمّان، ليشارك في الاعتصام المفتوح الذي ينفذه المزارعون أمام مقر مجلس النواب الأردني. بعد ثلاثين عاماً من العمل في قطاع الدواجن، انتقل خلالها من عامل ليصبح من صغار المستثمرين، يتراوح مستقبل الخمسيني بين خيارات محدودة، يقول إنّ "أحلاها مُرّ" وتنحصر بين "السجن لعدم القدرة على سداد القروض، أو إغلاق المزرعة، أو العودة للتعايش مع الأرباح القليلة أو الخسائر التي يمكن احتمالها في حال تراجعت الحكومة عن الضرائب الجديدة".

اعتصام
بدأ المزارعون في القطاع النباتي والحيواني، يوم الثلاثاء الماضي، اعتصاماً مفتوحاً أمام مجلس النواب، للمطالبة بإلغاء ضريبة الـ10 في المائة التي فرضتها الحكومة على مُدخلات (المواد الأولية والأدوات والخدمات) الإنتاج الزراعي. وقرر العشرات منهم اعتباراً من الخميس الماضي، المبيت في الساحة المقابلة لمجلس النواب لمزيد من الضغط على الحكومة وأعضاء المجلس.

يرفض الطبشات مصطلح "ضريبة" ويقول بينما يجلس على فراش مُهتَرِئ وسط مجموعة من زملائه العاملين في القطاع نفسه: "هذه ليست ضريبة بل ضربة قاضية تدفع بنا إلى القبر". حسم أمره بإغلاق مزرعته إذا لم تتراجع الحكومة عن قرارها، وهي خطوة في حال اتخذها فإنها ستتسبب في خسارة نحو 40 عاملاً لديه مصدر دخلهم الوحيد. يؤكد: "قبل فرض الضريبة كنت أخسر منذ ثلاث سنوات، ومع ذلك بقيت أعمل بأمل أن أعوض خسائري. لكن، مع هذه الضريبة- الضربة لن أعوض خسائري ولن أتمكن من العيش أنا وعائلتي".

الأضرار الناتجة عن الإغلاق المحتمل للمزرعة، لا تنحصر بأسرة الطبشات المكونة من تسعة أفراد، وأخوته الخمسة الذين يعملون معه، والعمال الأربعين فيها من أبناء الطفيلة، بل تتعدى ذلك إلى قطاعات أخرى ستتضرر. يقول: "مزرعتي حلقة في عملية إنتاج أكبر، فسيتضرر النجار وموزع الغاز وتاجر الأعلاف وغيرهم عندما أقفلها، ويقفل غيري مزارعهم، وسيتضرر المواطن الذي سيضطر إلى شراء دجاج بأسعار عالية بسبب تراجع الكميات المعروضة في الأسواق".

ديون ثقيلة
خلال السنوات الثلاث الماضية، تراكمت الديوان على الطبشات ليصبح مطالباً بسداد 250 ألف دينار أردني (353 ألف دولار أميركي) للمصارف، وهي أموال أنفقها على مزرعته. وقبل أشهر عندما وجد نفسه مطلوباً للتنفيذ القضائي لعدم قدرته على السداد، اقترضت زوجته 10 آلاف دينار (14 ألف دولار) لسداد ديونه.

تشير إحصاءات شبه رسمية إلى أنّ نحو 18.600 مزارع باتوا مطلوبين للتنفيذ القضائي بعدما عجزوا عن السداد للجهات الدائنة، فيما يقدر معنيون بالقطاع الزراعي أنّ أكثر من 40 في المائة من المزارعين سيخرجون من القطاع في غضون الأشهر الستة الأولى لسريان قرار الضريبة.



المزارع أشرف عبيد، الذي اختار المبيت في مكان الاعتصام المفتوح، يؤكد أنّ الضريبة تتجاوز الـ10 في المائة: "فرضت ضريبة 10 في المائة على كلّ مدخل من مدخلات الإنتاج لتبلغ على المنتج النهائي ما بين 40 و50 في المائة". يبين الثلاثيني الذي يمتلك مزرعة دواجن في مدينة السلط (غرب عمّان)، تختص بإنتاج بيض المائدة أنّ "الضريبة فرضت على العلف، وبيض التفقيس، والصيصان (الكتاكيت)، والغاز المستخدم في التدفئة، وغيرها من حلقات الإنتاج... طبق البيض الذي كانت تبلغ كلفته دينارين سيرتفع إلى دينارين وعشرين قرشاً، وربما يقترب من ثلاثة دنانير". يتابع أنّ "الأسوأ من ذلك أنّنا ندفع ضريبة على الدجاج الميت، إذ يتعرض الدجاج لكثير من الأمراض، وأحياناً يموت بأكمله، فندفع ضريبة على الموت".

رصاصة الرحمة
بحسب أحدث الإحصائيات الرسمية، يبلغ عدد مزارع الدواجن في الأردن 2700 مزرعة، ويقدّر الاتحاد النوعي لمربي الدواجن عدد العاملين في القطاع بعشرات الآلاف. عبيد الذي ورث المهنة عن والده الذي ورثها بدوره عن والده الذي أسس مزرعة دواجن عام 1956، يشعر بالقلق: "لا أعرف غير هذه المهنة، فإذا بقيت الضريبة سأغلق المزرعة. لكن، حتى الآن لا أعرف ما الذي سأعمله". يقترح على الحكومة في حال لم تتراجع عن الضريبة أن "تأخذ مزارعنا وتسدد ديوننا حتى لا نجد أنفسنا في السجن. أنا مدين بـ120 ألف دينار (169 ألف دولار) للمصارف، ومن المستحيل أن أتمكن من السداد في ظلّ هذه الضريبة. من قبل، كنّا نعتب على الحكومة أنّها لا تدعم القطاع الزراعي، الآن لا نريد أيّ دعم، بل يكفينا شر الضريبة".

رئيس جمعية تسويق الحليب، مروان صوالحة، الذي يمتلك مزرعة أبقار في منطقة الضليل التابعة لمحافظة الزرقاء (شمال شرق عمان) يؤكد أنّ مشكلة الزراعة لا تتوقف عند قطاع بعينه: "جميع القطاعات الزراعية تعاني من التهميش". وبحسب أرقام وزارة الزراعة يوجد في الأردن 1211 مزرعة أبقار.

يتابع صوالحة: "قبل مصيبة الضريبة، كان مربو الأبقار يعانون من مشكلتين رئيستين، تعايشنا معهما إلى حد ما. الأولى إغراق السوق المحلي بالمنتجات المستوردة والمخالفة للمواصفات المحلية. الثانية امتلاك مستثمرين كبار مزارع ومصانع في الوقت نفسه... هؤلاء المستثمرون الذين يملكون ملايين الدنانير ويعتمدون تكنولوجيا عالية، حققوا من خلال مزارعهم الاكتفاء الذاتي من الحليب الذي تحتاجه مصانعهم، وبذلك جرى القضاء على صغار المستثمرين". لكنّ صوالحة يرى في الضريبة "رصاصة الرحمة" التي أطلقتها الحكومة على مربي الأبقار. يشير إلى الانعكاس المباشر للضريبة على مزرعته التي تضم 30 رأساً من البقر، بالنسبة للأعلاف قبل أيّ شيء آخر: "البقرة تستهلك يومياً 32 كيلو من العلف، و30 بقرة تحتاج إلى طن يومياً، بإضافة ضريبة 10 في المائة على الأعلاف، أي 30 ديناراً (42 دولاراً) يومياً، و900 دينار (1273 دولاراً) شهرياً. هذه زيادة لا يمكن احتمالها، وهي ضريبة لا تنحصر بالأعلاف بل تشمل جميع المدخلات الأخرى".

الخمسيني الذي يعمل واثنان من أبنائه في المزرعة، بالإضافة إلى ثلاثة عمال، وطبيب مشرف، ومهندس مشرف، يشير إلى أنّ أضرار الضريبة تتجاوزهم لتطاول حلقات أخرى في عملية الإنتاج كالعاملين في نقل الحليب ومزارعي الأعلاف.

يشعر صوالحة بالمرارة للحال التي وصل إليها القطاع، ويؤكد أنّ "انهيار القطاع الزراعي كارثة وطنية، فالزراعة ركن أساسي من أركان الوطن إذا انهدمت انهدم الوطن". يدعو الحكومة ليس فقط إلى التراجع عن الضريبة، بل إلى دعم المزارعين: "الدول المتقدمة حققت هذا التقدم بالزراعة... فرنسا بعدما أنتجت 300 نوع جبنة، أنتجت السيارة والطيارة والقمر الصناعي، والدنمارك وهولندا تمتلكان النفط الأبيض الذي هو الحليب، فالبقرة هي التي حولتهما من دولتين فقيرتين إلى دولتين غنيتين. على حكومتنا أن تفهم ذلك".

عتب على المواطنين
المزارع عاهد الشوبكي، الذي حضر للمشاركة في الاعتصام من بلدة الكريمة في الأغوار الشمالية، يقول: "قبل الضريبة كنا نخسر لكن بعدها سيحلّ بنا الدمار". يعيد الخسائر خلال السنوات الماضية إلى إغلاق الحدود أمام صادرات الخضر الأردنية كنتيجة للأزمة السورية. يعمل الشوبكي في الزراعة منذ عام 1972، ويعد اليوم من أكبر المستثمرين في الأغوار الشمالية، حيث يزرع أرضاً تبلغ مساحتها 600 دونم، ويعمل لديه 70 عاملاً أردنياً و30 عاملاً وافداً، ويساعده في عمله أولاده الخمسة الذين درسوا تخصصات ذات علاقة بالزراعة. تقدر وزارة الزراعة عدد القوى العاملة في القطاع النباتي بـ142 ألف عامل، نحو 70 في المائة منهم أردنيون.


يشعر الستيني يخطر داهم على استثماره، بعدما بلغت ديونه مليون دينار أردني (1.4 مليون دولار). تلك الديون مستحقة عليه لصالح شركات زراعية اشترى منها مستلزمات زراعية لمحل يمتلكه وباعها بدوره بالدين لمزارعين في المنطقة. يقول: "ديوني مليون دينار، وفي الوقت نفسه لي على المزارعين مليون دينار لكنني لا أستطيع مطالبة أيّ منهم، فمن أطالبه يستدين مني القليل من الدنانير الإضافية لينفق على عائلته. أخجل من رفع قضايا عليهم... رفعت دعوى على شخص واحد وشعرت بعدها بالندم".

يتابع المزارعون اعتصامهم، لكن وبحجم غضبهم من الحكومة، يعتبون كثيراً على المواطنين، ويعبرون عن استيائهم من ضعف التضامن الشعبي مع قضيتهم التي يرون أنّ آثارها السلبية لا تنحصر بهم بل تشمل الجميع.