مزاجية مدير عام

20 يوليو 2020

كنتُ أشغل في عام 1992 مدير مكتب المدير العام لشركة سكر الرَّقَّة، وكان مديرها في حينها، طيّب الذكر، الكيميائي صالح محمد علي، وهو المدير المعروف بأخلاقه وهمّته العالية في متابعة العمل وفي نشاطه اللا محدود، وخاصة بالنسبة لمعمل ضخم وكبير مثل معمل سكر الرّقّة الذي يضمّ المئات من العمال الدائمين، فضلاً عن العمّال الموسميين الذين تلجأ إليهم الإدارة في فترة التشغيل.

وكان المدير العام متابعاً لعمله، لا يكلُّ ولا يملّ، فضلاً عن سفره المتواصل إلى خارج المحافظة لجهة لقاء الإدارة العامة للمؤسسة العامة  للسكر، ومقرها في مدينة حمص التي تبعد عن الرّقّة حوالي 385 كيلو متراً، طريق حلب، إضافة للاجتماعات الدورية الخاصة بإنتاج بذرة الشمندر السكري التي تعقد بصورة مستمرة مع لجنة التسويق الرئيسية في المدينة، ولقائه المتكرر محافظ المدينة، ناهيك بجولات وزير الصناعة المفاجئة والدورية على معامل السكر الستة الموزعة في القطر، وكل هذا النشاط والاهتمام فإنَّ المدير العام تراه دائم المتابعة لعمله الذي يتطلب جهداً كبيراً ،ودراية ومعرفة بكل صغيرة وكبيرة ما من شأنه أن يدفع بالعمل إلى النجاح، في حين أن معمل سكر الرّقة كان يعد من خيرة معامل القطر إنتاجاً للسكر الأبيض، وفي نوعية مادة التِفِلْ الناتج من عصر شرائح الجذور، والذي يقدر بنحو 80% من وزن الجذور مادة علفية جيدة ورخيصة للحيوانات، ويضاف المولاس المتبقي إلى أعلاف الحيوانات أيضاً، إذ يحتوي على نحو60% من وزنه سكراً، ويضاف إلى الأعلاف المصنعة سيلاجاً لتشجيع عملية التخمّر، وتستعمل أوراقه ومخلفات التصريم في صناعة الكحول والخميرة. كذلك فإن لصناعة السكر أهمية في تشغيل عدد كبير من العمال والفنيين، وتوفير مبالغ كبيرة من القطع النادر، يمكن أن تنفق في مجال استيراد السكر من مصادر خارجية. ويؤمّن الشوندر السكري نحو  45% من كمية السكر المنتجة عالمياً، ويأتي الباقي من محصول قصب السكر.

فالمدير العام، نشيط إلى أبعد الحدود، ومتابع عمله إلى حد كبير، حتى أنّه كان يقوم بنفسه بإعداد واستصدار القرارات، ويتابعها بشكل شخصي، وتصديرها إلى مديرية الشؤون الإدارية مدوناً ذلك بخطّه الجميل، وهو إنسان محبوب من قبل جميع العاملين في المعمل الذي يحترمونه ويجلّونه، إلّا أنّه تُؤخذ عليه أنّه سريع الانفعال وعصبي المزاج، وإلى حد كبير، وهو في غنى عنها، لأنها بصراحة كانت تسبب له الكثير من الإحراج، وتقف حجر عثرة في حواره مع العاملين في الشركة التي يديرها بدقّة ساعة "بيغ بن"!.

وفي أثناء دورة تشغيل المعمل التي تبدأ عادة مع بداية شهر يونيو/حزيران من كل عام بعد الانتهاء من أعمال الصيانة ونضج المحصول، وتنتهي مع نهاية شهر سبتمبر/أيلول، طلب مني المدير العام عدم دخول أي من مدراء الشركة إلى مكتبه بدون أخذ موافقة مسبقة منه شخصياً، ومهما كانت الأسباب الداعية لذلك.. وصادف أن دخل مكتبه وبدون إذن، معاون المدير العام، وهو من الناس المحترمين الراقين، وإذا بهاتف المدير العام يرنّ، وقال لي بالحرف الواحد: "عليك أن تعي ما أقوله لك، وسبق أن قلت، وفي أكثر من مرة يمنع دخول أي كان من المدراء العاملين في الشركة، أو العاملين العاديين، وإن كان معاوني". فقلت له أنّي أعلمته بذلك، ورغم ذلك ضرب بما قلت له عرض الحائط، وهذا ما حدث. فما كان من المدير العام إلا أن أصدر أمرا إداريا يوجّه به المدراء بعدم الدخول إلى مكتبه بدون إذن مسبق مهما كانت المشكلة التي بين يديه، وإن كانت تتطلب حلاً فورياً.

وفي إحدى المرات، زار مبنى الإدارة عضو قيادة فرع حزب البعث، في فترة القيلولة، أي في الساعة الثالثة ظهراً، وهذه الفترة يكون فيها أغلب العاملين كل في فترة راحة في مكان عمله، يراقب شغله والآلة التي يشرف عليها، ويتابع ما يمكن أن ينعكس  على العمل.

دخل عضو قيادة الفرع إلى مكتبه، بصورةٍ مباشرة، من الباب الرئيسي للإدارة بدون المرور على مكتب المدير العام، فقلت في نفسي أن المدير العام، بعد رحيل الضيف الزائر، سيقيم الدنيا ولن يقعدها، إلّا أنّه، ولله الحمد، لم يتصرف كما كنت أظن، فشكرت الله على ذلك، واستوعب كيفية دخول عضو الحزب لمكتبه الذي جاء يتوسط دخول سيارة محمّلة بالشوندر السكري وإدخالها إلى أرض المعمل بدون بطاقة توريد الشوندر، البطاقة الخضراء، التي شغلت المنتجين والفلاحين والمسؤولين على السواء، إلّا أنّه لم يكتفِ بذلك ففوجئت باستصداره عقوبة خصم من الراتب ولمدة شهرين، فقررت على الفور التقدم بطلب إعفائي من شغل المكان الذي لا أجد ضرورة البقاء فيه، لأنه لا يليق بي، وهذا ما حدث.