مريم نور وجماعتها ليسوا مشعوذين إذن!
لا نعرف، على وجه اليقين، إن كان قيس بن الملوّح، المكنّى مجنون ليلى، شخصية تاريخية، أم أسطورةً تكوّنت من شظايا حكايات وشِعر، صارا الحكاية التامة التي نعرفها اليوم. قد تكون بذرة مجنون ليلى لشخصٍ من لحم ودم وشِعر يقطر حبَّاً، وقد يكون العاشق المجنون أسطورةً أدبيةً اجترحها خيال الصحراء العربية، ولكن الأكيد أن نهايته، في الحالين، كانت الموت حبَّاً.
شاعرٌ أحبَّ. لم يتحقّق حبه بالالتئام بـ"نصفه المشطور". اختلَّت موازينه. جُنَّ تماماً، وهام على وجهه في الصحراء، فقضى نحبه. هل مات قيس بمرض في القلب الذي أصبح عاطلاً من العمل، بعدما حِيل بينه وبين ليلى؟ أم أكلته الضواري؟
لا ندري. وليس ذلك مهمّاً على أيّ حال.
فالعاشق مات، تاركاً وراءه أسطورةَ الموتِ حبَّاً.
***
يموت الناس، أحياناً، بلا سبب مَرَضيّ ظاهر، أي يموتون من دون أن يصيبهم السرطان، أو الفيروسات القاتلة، أو بغير ارتفاع ضغط الدم والسكر وانسداد الشرايين. في هذه الحال، لا بدّ من البحث عن سببٍ غير عضوي لهذا الموت.
ولكن معظم الناس يموتون بأمراض معروفة، وهي محصورة في عالم اليوم بثلاثة أو أربعة أمراض، أبرزها المذكورة أعلاه. فهل يمكن أن تلعب الأسباب النفسية دوراً في استدراج هذه الأمراض إلى الجسد البشري، والموت، لاحقاً، بسببها؟
حتى وقتٍ قريب، ظلّت النظرة الطبية الأكاديمية الغالبة ترفض فكرة تدخل العامل النفسي في استدراج المرض العضوي، أو تحوّل العلل النفسية إلى أمراض عضوية. فالطب الغربي درج، في تاريخه الحديث، على الفصل بين الجسد والنفس. رأى في الأفكار التي تربط بينهما، لفهم المرض وعلاجه، نوعاً من النزعة الفلكلورية، إن لم يكن ضرباً من الشعوذة التي لا مكان لها في الطب العيادي. المرض، في الطب الغربي، عضوي على الأغلب. خللٌ في جهاز البدن ينبغي أن يظهر في التشخيص. ما يحرّك جهاز البدن المعقّد ليس من شأنه. أما الدواء، فمعروف: تركيبات كيماوية، أو أشعة. لكن تعقّد الحياة الغربية، خصوصاً، دفع باحثين الى دراسة دور العقل في حدوث المرض أو الموت. هل يمكن أن يكون هناك عقلٌ مُمْرِضٌ، مثلاً؟ عقلٌ يستدرج العلّة العضوية إلى آلة الجسد؟
انطلاقاً من دراسات وإحصاءات علمية، يقول الباحث الأميركي، بول مارتن، في كتاب له وقع بين يديّ قبل أيام، إن العوامل النفسية يمكن أن تعجّل بالموت، كما يمكنها إرجاؤه. ويضرب أمثلة على الحالتين. فعدد الذين قتلوا بسبب صواريخ سكود العراقية على إسرائيل في حرب العام 1991 كان قليلاً، لكن الذين ماتوا بسبب الخوف والضغط النفسي الذي رافق تهويل الغرب والحكومة الإسرائيلية بقدرة العراق على استخدام أسلحة جرثومية كان أكبر بما لا يقاس. درس الباحثون معدل الوفيات في المناطق التي استهدفتها الصواريخ العراقية، فوجدوها أعلى بنسبة 58% من المعدل العام.
أما دور العامل النفسي في أرجاء الموت فيتمثّل في المناسبات ذات الأهمية الخاصة عند الأفراد. يضرب مارتن مثالاً على ذلك، في دراسة أجريت على تأثير مهرجان حصاد القمر الصيني بين الصينيين في كاليفورنيا. فقد لاحظت الدراسة أن معدل الوفيات بين الصينيين في كاليفورنيا، في الأسبوع الأول الذي يسبق مهرجان حصاد القمر، كان أقلّ بنسبة 35% من المتوقع، في حين أن نسبة الموت بين هؤلاء، في الأسبوع الذي يلي المهرجان، ارتفعت الى 35% عمّا هو متوقع.
إن انتشار هذه الظاهرة دليل على قصور الطب الغربي الحديث في الكشف عن الخريطة المعقّدة لهذا الكائن الذي يسمى الانسان.
مريم نور وجماعتها، الداعون إلى ما يسمّى الطب النبوي، المتصوّفة، ليسوا مشعوذين، إذن!