مريم بنت الشيخ: المجتمع تطرّف باسترقاق "لحراطين"

07 فبراير 2015
الصورة
(العربي الجديد)
+ الخط -

تناضل الحقوقية مريم بنت الشيخ لإنصاف "العبيد" الذين عانوا بسبب الاسترقاق في موريتانيا طوال العقود الماضية، وكانوا يباعون ويشرون بواسطة صكوك رسمية مثل السلع. هذه المرأة، التي تقبعُ في السجن حالياً بسبب مطالبها وكفاحها، تحظى بشعبية كبيرة بين الشباب والنساء من شريحة المسترقين سابقاً، حتى أصبحت رمزاً لنضال المرأة التي لطالما اتهمت بالاستسلام لظروف القهر والظلم ورواسب العبودية.

قادت مريم تظاهرة كبيرة للمطالبة بإطلاق سراح الناشطين في منظمة "إيرا" التي تنتمي إليها، فاعتقلت لتلتحق بهم. لم تحاكم حتى اليوم، وقد مرت أربعة أشهر على اعتقالها. وعلى الرغم من أنها تعاني من مشاكل صحية، ما زالت عزيمتها قوية، وخصوصاً أن اعتقالها وغيرها من الناشطين شكل فرصة لعودة الحديث بقوة عن العبودية.

ولدت مريم عام 1983 في ازويرات، شمال موريتانيا. تنتمي لأسرة متوسطة الدخل، يكبرها أربعة إخوة ويصغرها ثلاثة. وبما أن ازويرات مدينة عمالية تضم الكثير من المصانع، فقد كانت هذه المرأة سباقة للنضال والدفاع عن حقوق "العبيد" والعمال، وخصوصاً أنها نشأت في أسرة مناضلة. كان والدها ناشطاً في "حركة الحر" و"العمل من أجل التغيير"، ثم مسؤولاً في حزب "التحالف الشعبي". جميعها حركات أسسها المسترقون سابقاً للدفاع عن حقوقهم. وكان لعمها دور كبير في تكوين شخصيتها. فقد نشط في منظمات حقوقية عدة قبل أن يصبح المسؤول عن "منظمة نجدة العبيد" في مدينة ازويرات. عمل على تثقيف مريم سياسياً وحقوقياً حتى أصبحت مناضلة في عمر مبكر.

بعد إنهائها مرحلة التعليم الثانوي، غادرت ازويرات إلى العاصمة نواكشوط لمتابعة دراستها الجامعية، لتواجه واقعاً مختلفاً. ففي الجامعة طلاب ينتمون إلى مناطق مختلفة، يحملون أفكاراً تتعارض مع الذين يأتون من مدينة العمال، بخاصة إذا كانوا من شريحة المضطهدين اجتماعياً.
تقول مريم: "في البداية، لم أستطع متابعة دراستي لكثرة ما شاهدته من ظلم. كنت أخوض معارك يومية مع الطلاب والأساتذة. في الوقت نفسه، كنت قريبة من المناضلين وهموم المواطنين". بعدها، وجدت مريم في هذه الأجواء محفّزاً لإكمال دراستها، فحصلت على إجازة في الاقتصاد من جامعة نواكشوط، ثم التحقت بصفوف المناضلين لتدافع عن معتقداتها في "صراع الحريات"، كما تسميه، غير آبهة بما يتعرض له المناهضون للرق من تعذيب في السجون.

برأي مريم، فقد اتسمت هذه الفترة بنقاشات هادفة، ساعدت في بروز شخصيتها لتتحول من مناضلة ضمن شريحة "لحراطين" الى قيادية في منظمة "إيرا"، التي تناضل ضد العبودية ومخلّفاتها. بدأت عملها في المنظمة كأمينة مكلفة حماية الضحايا، لتكتشف حقائق كثيرة، ثم انتخبت عضواً في المكتب التنفيذي للمنظمة.
ترى مريم أن اعتقال مناضلي منظمة "إيرا" في هذا الوقت الحاسم من نضالهم من أجل الانعتاق واسترداد الكرامة والحقوق المسلوبة، يكشف مدى خوف السلطات من المنظمة، وقد اتهمت بـ"تهديد السلم الأهلي"، بسبب تسييرها قافلة حقوقية "ضد العبودية العقارية"، وتسليط الضوء على قضية سلب الأراضي من الأرقاء السابقين. تعارض "تسفيه" نضال حقوقيي "إيرا" الموزعين حالياً بين سجن مدينة روصو وسجن العاصمة، وترفض حديث البعض عن المساواة بين "البيظان" (العرب) و"لحراطين" (الحر الطارئ). تقول: "البعض يتحدث عن أنهما شيء واحد مثل بياض العين وسوادها. لكن ممارسة العبودية في مجتمعنا متجذرة يدركها الجميع".

لا تهتم مريم بمعارضيها الذين يتهمونها بالتطرف والعنصرية والتطاول على العلماء. تقول إن "المجتمع تطرف في استرقاق لحراطين حين بعث صغارهم رعاةً للابل ورجالهم للزراعة ونساءهم لخدمة البيوت واتخذ بناتهم محظيات، واستمر في استرقاقهم بالتهميش والعنصرية وتكريس التراتبية الاجتماعية واحتكار المناصب الهامة ونهب خيرات البلاد". تضيف أن زيارة أي مرفق عام ستكشف للزائر أن المدير والمسؤول هما من شريحة البيظان، بينما العمال هم من لحراطين أو الزنوج. كذلك، يقطن البيظان في الأحياء الراقية، بينما لحراطين في الضواحي والأحياء الفقيرة. "أين هي الوحدة الوطنية"؟ تشير الناشطة الحقوقية إلى أن "العبودية موجودة بكافة أشكالها في موريتانيا، والنظام يحمي مَن يمارسها من خلال إنكارها والاستهتار بمعاناة المقصيين". تضيف: "صرنا نعرف ما لنا وما علينا، والسجن هو بمثابة ثمن بسيط لنضالنا ضد هذه التصرفات التي لا يمكن التعايش معها. نحن مستعدون للتخلي عن آخر قطرة دم فينا من أجل قضيتنا. يحق للحراطين أن يقرروا لأنفسهم وبأنفسهم من سيكونون. انتهى زمن التقرير نيابة عنهم".

دلالات

المساهمون