مرو ..جوهرة تركمانستان

03 يناير 2015
الصورة
ما بقي من مرو الحاضرة الإسلامية في تركمانستان(العربي الجديد)
+ الخط -
يصف ياقوت الحموي في مصنفه معجم البلدان مدينة مرو الشاهجان بقوله: المَرو هي الحجارة البيض تقتدح بها النار ولايكون أسود ولا أحمر، ولا تقتدح بالحجر الأحمر ولا يسمى مَرواً.

والنسبة إليها مروزي على غير القياس، والثوب مروي على القياس، وبين مرو [الواقعة في جمهورية تركمانستان اليوم] ونيسابور [شمال شرق إيران] سبعون فرسخاً (الفرسخ ثلاثة أميال)، ومنها إلى سرخس ( تقع اليوم في شمال شرق خراسان إيران، أو ما يعرف برضوي خراسان، كانت قديماً من مدن القوافل المهمة التي يمر بها طريق الحرير، واشتهرت بمكتباتها. دمّرها المغول عام 1220م، ولكن أُعيد بناؤها في منتصف القرن التاسع عشر من قبل ناصر الدين شاه القاجاري، وقد سميت بعدها بسرخس ناصري نسبة إليه) ثلاثون فرسخاً وإلى بَلَخْ ( تقع بلخ اليوم في أفغانستان وولاية بـلخ ولاية من الولايات الـ34 في أفغانستان تقع شمالي البلاد وعاصمتها مزار شريف، بينما تصل مساحتها إلى 17.249 کيلومترا مربعا وسكانها زهاء 869.000 نسمة.

تبعد محافظة بلخ 56 كيلومتراً من الحدود الجنوبية لأوزبكستان، ارتفاعها من سطح البحر 1.250 قدمًا، تقع كابول العاصمة منها على بعد 320 كيلومترًا في جنوبها الشرقي. تعتبر إحدى المناطق الخصبة في أفغانستان، تنتج القمح والحرير والقطن والثمار بأنواعها. يشكل الطاجيك الأغلبية الساحقة تليها الطائفة الأوزبكية في المرتبة الثانية.
 
اثنان وعشرون فرسخاً، اثنان وعشرون منزلاً. أما لفظ "مرو" فيعني بالعربية الحجارة البيض يُقتدح بها، إلا أن هذا عربي ومرو ما زالت أعجمية، ثم لم أرَ بها من هذه الحجارة شيئاً البتة (والحديث لياقوت وكان قد زارها وأقام بها ياقوت المتوفى عام 1229م) وأما الشاهجان، فهي فارسية تعني نفس السلطان لأن الجان هي النفس أو الروح والشاه هو السلطان سميت بذلك لجلالتها عندهم، وقد روى عن بريدة بن الحُصيب أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بريدة إنه سيبعث من بعدي بعوث فإذا بعثت، فكن في بعث المشرق، ثم كن في بعث خراسان، ثم كن في بعث أرض يقال لها مرو، إذا أتيتها فانزل مدينتها فإنه بناها ذو القرنين وصلى فيها، عُزير أنهارها تجري بالبركة على كل نقب منها ملك شاهر سيفه يدفع عن أهلها السوء إلى يوم القيامة، فقدمها بريدة غازياً، وأقام بها إلى أن مات وقبره بها، وإلى الآن معروف عليه راية رأيتها (إلى العصر الذي كان ياقوت فيها يومئذٍ).

وجاء في كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي : قال أبو عون اسحق بن علي في كتابه "الزيج" مرو في الإقليم الرابع طولها أربع وثمانون درجة وثلث وعرضها سبع وثلاثون درجة وخمس وثلاثون دقيقة، وشنّع على أهل خراسان، وادّعى عليهم البخل كما زعم ثُمامة أن الديك في بلد يلفظ ما يأكله من فيه للدجاجة إلا ديكة مرو، فإنها تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب، وهذا كذب ظاهر للعيان لا يقدم على مثله إلا الوقاع البهّات الذي لايتوقّى الفضوح والعار، وما ديكة مرو إلا كالديكة في جميع الأرض. قالوا ولما ملك طهمورث بنى قهندز مرو (ولفظة القهندز لغة تعني القلعة أوالحصن القديم وتسمى بالفارسية كهندز، وتكتب بالعربية قهندز) وبنى مدينة بابل ومدينة إبرايين بأرض قوم موسى ومدينة بالهند في رأس جبل يُقال له أوق. قال وأمرت حماي بنت أردشير بن اسفنديار لما ملكت ببناء الحائط الذي حول مرو، وقال إن طهمورث لما بنى قهندز مرو بناه بألف رجل وأقام لهم سوقاً فيها الطعام والشراب فكان إذا أمسى الرجل أعطى درهماً فاشترى به طعامه وجميع ما يحتاج إليه فتعود الألف درهم إلى أصحابه فلم يخرج له البناء إلا ألف درهم".

كان الخليفة المأمون قد نشأ وتربّى في مدينة مرو قبل أن يتسنّم سدّة الخلافة، قال عنها: يستوي الشريف والوضيع من مرو في ثلاثة أشياء، الطبيخ النارنك والماء البارد لكثرة الثلج فيه والقطن اللين"....وبمرو الرّزيق بتقديم الراء على الزّاي والماجان وهما نهران كبيران حسنان يخترقان شوارعها ومنهما سقي أكثر قراها.

قال إبراهيم بن شمّاس الطالقاني قدمت على عبد الله بن المبارك (الزاهد المعروف) من سمرقند ( تقع في جمهورية أوزبكستان اليوم ) إلى مرو، ( الواقعة في جمهورية تركمانستان اليوم ) فأخذ بيدي فطاف بي حول سور مدينة مرو ثم قال يا إبراهيم مَن بَنى هذه المدينة، قلت: لا أدري يا أبا عبد الرحمن، قال مدينة مثل هذه لا يُعرَف مَن بَناها، وقد أخرجت مرو من الأعيان وعلماء الدين والأركان ما لم تخرج مدينة قبلهم، منهم أحمد بن حنبل الإمام وسفيان بن سعيد الثوري مات وليس له كفن واسمه إلى يوم القيامة، وإسحق بن راهَوَيه وعبد الله بن المبارك وغيرهم.

وكان السلطان سَنجَر بن ملك شاه السَّلجوقي مع سعة ملكه قد اختارها على سائر بلاده وما زال مقيماً بها إلى أن مات وقبره بها في قبة عظيمة لها شباك إلى الجامع وقبتها زرقاء تظهر من مسيرة يوم، بلغني أن بعض خدمه بناها له بعد موته ووقف عليها وقفًا لمن يقرأ القرآن ويكسو الموضع.

واليوم تعد مدينة مرو Merv من أهم مدن جمهورية تركمانستان وتقع جنوب البلاد، يرويها نهر (مرغاب) وتتمتع بموقع استراتيجي مهم، طابعها شرقي إسلامي، وهي مركز خراسان. ومن يتذكر مرو لا بد أن يتذكر قصيدة مالك بن الريب التي لم يبق منها إلا ذكر مرو، ومالك بن الريب التميمي شاعر إسلامي مجيد مقل، لم يشتهر من شعره إلا هذه القصيدة ومقاطع شعرية في الوصف والحماسة وردت في كتاب الأغاني.

كان مالك شابا شجاعاً فاتكاً لا ينام الليل إلا متوشحاً سيفه ولكنه استغل قوته في قطع الطريق هو وثلاثة من أصدقائه، لازم شظاظ الضبي الذي قالت عنه العرب ألص من شظاظ. وفي يوم مر عليه سعيد بن عثمان بن عفان وهو متوجه لإخماد فتنة في تمرّد بأرض خُراسان فأغراه بالجهاد في سبيل الله بدلا من قطع الطريق، فاستجاب مالك لنصح سعيد فذهب معه وأبلى بلاءً حسناً وحسنت سيرته، وفي عودته بعد الغزو وبينما هم في طريق العودة إلى وادي الغضا في نجد وهو مسكن أهله، مرض مرضاً شديداً، ويقال إنه لسعته أفعى وهو في القيلولة فسرى السم في عروقه وأحس بالموت فقال قصيدة يرثي فيها نفسه. وصارت قصيدته تعرف ببكائية مالك بن الريب التميمي.

المساهمون