مرسي بين خصومه وأنصاره

26 يونيو 2019
الصورة
+ الخط -
أسفرت جولة الإعادة لأول انتخابات رئاسية حرة ونزيهة في مصر، في 17 يونيو/ أيار 2012، عن انتخاب أول رئيسٍ مدني في تاريخ مصر الحديث، هو محمد مرسي. وفي التاريخ نفسه قبل أيام، وفي محاكمةٍ تفتقد أي ضمانات حقيقية أو نزاهة، سقط هذا الرئيس على الأرض. وطبقا لتقارير صحافية غربية، تم تركه على الأرض عشرين دقيقة، كانت من دون التدخل خلالها بإجراء إسعافات أولية له. تسابق خصوم مرسي السياسيون، قبل أنصاره إلى الترحم عليه، والدعاء له بالمغفرة. ولعل حالة التنكيل التي تعرّض لها جعلت تعاطفا واسعا بين خصومه السياسيين قبل أنصاره، إلا أن هؤلاء الخصوم ليسوا على شاكلة واحدة، فالفريق الأول انبرى يكتب عن الفرص التي جاءت له، ولجماعة الإخوان المسلمين في أثناء وجودهم في السلطة، وأنهم أهدروها، ولم يستغلوها أفضل استغلال، ثم ذهب إلي ذكر أخطاء جماعة الإخوان المسلمين، أو ما يُطلق عليها في أدبيات ذلك الفريق خيانة "الإخوان" ثورة يناير، وتحالفهم مع المؤسسة العسكرية (وهو ما فعلوه فيما بعد في تحالفهم مع المؤسسة العسكرية لإطاحة الإخوان المسلمين)، ولعل في ذلك حيلة دفاعية للخروج من مأزق التعاطف واللوم الذي قد يشعر به بعضُهم، وإحجاما عن ذكر ما تعرّض له الرجل من تنكيلٍ ومحاكمةٍ غير عادلة. بينما ذهب الفريق الآخر إلى الترحّم على الرجل، والحديث عن الانتهاكات في السجون المصرية، ومن ثم الحديث عن التحقيق في الوفاة وأسبابها، ملقيا باللوم على النظام الذي ينكّل بخصومه من دون هوادة. 
ستترك وفاة مرسي أثرها على تنظيم الإخوان، وعلى النظام الحاكم وكذلك المعارضة، أو ما 
تبقّى من أشكالها السياسية. بالنسبة للإخوان المسلمين، أنهت وفاة مرسي ما كان يُعرف بتكتل دعم الشرعية، وهو ذلك التكتل الذي يتّخذ من شرعية مرسي اللافتة الأساسية التي ينضوي تحتها ويدافع عنها، رافضا أي أمر آخر، أو محاولات أخرى لا تعترف بشرعية مرسي. تحوّل هذا الطرف الآن من الشرعية إلى المطالبة بالقصاص والتحقيق في وفاة مرسي، وكأنه وجد قميص عثمان الجديد الذي يتكتل حوله، ويرفعه شعارا جديدا بديلا عن الشرعية، فبدلا من إقامة نقاشٍ بشأن تطوير الأفكار المتعلقة بالجماعة، ومستقبلها السياسي، وانقساماتها الداخلية، وكذلك علاقتها بالقوى الأخرى داخل الساحة السياسية المصرية، وعلاقة الديني بالسياسي، في خطابها وتكوينها، ذهبت الجماعة إلى استدعاء الموروثين، الديني والتاريخي المتعلق بالاستشهاد والموت في سبيل الله، والعودة إلى زمن الشهداء، كزمن مؤسس الجماعة حسن البنا، أو سيد قطب، أو عبد القادر عودة وغيرهم، والحديث عن الابتلاء الذي سيتعرّض له أعضاء الجماعة، كما قال مؤسّسها البنا في وصاياه العشرين. هكذا جاء التعبير على لسان أمين الجماعة، محمود حسين، في لقاء تلفزيون (وكأن تلك الوصايا قرآن لا بد أن يتحقق الوعد المذكور فيه)، وأصبح مرسي شهيدا حديث الجماعة ليل نهار، والمطالبة بالقصاص له والتحقيق في ذلك، من دون الحديث عن آليات هذا التحقيق، أو طرق الوصول إليه أو الدفع باتجاهه، بل ذهب بعضهم إلى إن وفاة مرسي أشبه باغتيال الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات. وفي هذا تناقضٌ بين المطالبة بالتحقيق وإعلان نتائج لم يتم الكشف عنها، وإن كنتُ أرى أن الإهمال والانتهاكات في السجون تؤدّي إلى الوفاة، وهو أشبه بعملية الانتقام والقتل البطيء. وهنا النقطة التالية: هل سيتحوّل مطلب القصاص والمطالبة بالتحقيق في وفاة مرسي إلى النقطة التي تتحدث عن العودة إلى العنف داخل صفوف الجماعة (أشك في ظل الارتباك وفقدان الجماعة كوادرها، وعدم القدرة على فعل ذلك، نتيجة للضربات الأمنية المتلاحق)، ولكنه يظل أحد الخيارات المتاحة، والتي يمكن التحدّث عنها.
في وقتٍ ارتفعت فيه أيضا بعض أصوات المعارضة في الحديث عن الأوضاع داخل السجون 
والتنكيل بالمعتقلين السياسيين، وتعرّضهم للانتهاكات التي قد تؤدي إلى الوفاة، غضّت الجماعة الطرف عن هذا الأمر، واسترسلت في حديثها فقط عن مرسي واستشهاده، أو بعبارة أخرى من الرئاسة إلى الاستشهاد، وكأنه هو السجين الأوحد ولا أحد سواه، بينما هناك كوادر أخرى من الجماعة في المعتقل، في مقدمها مرشدهم الحالي، إلى جانب عشرات المئات من أعضائها، لكن اللحظة الراهنة كاشفةٌ لما آلت إليه الأمور داخل الجماعة، أو بصورة أخرى هكذا يفكر قيادات الجماعة، فالصحافة الدولية تتحدث عن مرسي باعتباره أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، وتتحدّث الجماعة عن مرسي الشهيد.
يقضي هذا المشهد، بتركيبته الحالية، على أي آفاق للحوار المستقبلي بين الجماعة وأي قوى سياسية أخرى، لكنه يفتح الجدل بشأن إمكانية بدء الحوار بين الجماعة والنظام. ولعل حديث أمين عام الجماعة، المشار إليه، يوحي بأن حديثه يحمل إشاراتٍ من ذلك بأن النظام لو فتح الباب أمام الحوار لبادرت الجماعة بذلك، وجلست معه على مائدة الحوار. في الوقت نفسه، تصرّف النظام مع الأمر كان متوقعا، وهو ما حدث من قبل مع المرشد السابق، مهدي عاكف، فتم منع الجنازة، ومنع حضور أي أحد سوى أسرته، ودفنه ليلا في مقابر مرشدي الجماعة، وكأن جريمةً ارتكبت بليل، يريد النظام أن يخفيها، ولا يعلم بها أحد، فووري جسد مرسي التراب ليلا، تحت ستار أمني حديدي، يعجز أنصار مرسي عن كسره لتشييع الرجل أو الصلاة عليه.
مات مرسي، ولكن حقيقتين بقيتا، أن الرجل هو أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث، وأن الانتهاكات والتنكيل بالمعتقلين السياسيين في السجون حقيقة وواقعٌ لا يمكن الاختلاف عليه. .. وتبقى الديمقراطية هي الحل.