مرسوم العفو "المفخّخ" ورسائل النظام السوري

10 يونيو 2014
خلال الإفراج عن 158 معتقلاً سورياً في 2012 (getty)
+ الخط -

أصدر الرئيس السوري، بشار الأسد، مرسوم عفو عام، اليوم الإثنين، عن عدد من "الجرائم"، وتخفيف عقوبات عدد آخر منها، يُطبَّق على سوريين وأجانب، استبقه بالإفراج عن 400 معتقل، فور إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية الهزلية ــ الدموية التي أجريت في الثالث من يونيو/حزيران الحالي.

يرى مراقبون أن صدور هذا المرسوم، وفي هذا التوقيت، هو محاولة من النظام لترسيخ قوته، وتأكيد سيطرته على الأوضاع في سورية، على قاعدة أن "القوي هو الذي يعفو عن الضعيف"، وللإيحاء بأن الأسد هو رئيس كل السوريين، بمن فيهم "المخطئون"، ومن حملوا السلاح ضد النظام، شرط أن يسلموا هذا السلاح، ويعلنوا عودتهم إلى ما تسميه وسائل إعلام النظام "حضن الوطن".

ثمة رسالتان هامتان يريد الأسد أن يوجههما إلى الرأي العام العالمي والداخل السوري من خلال هذا المرسوم: الأولى، هي التأكيد على أنه لا يزال يمثل السلطة الشرعية في سورية، بدليل أنه يمتلك حق العفو الكلي أو الجزئي، أو حتى إنزال العقاب بمواطنيه. أما الرسالة الثانية، التي يمكن قراءتها في نصوص المرسوم، فيرمي من خلالها إلى تصوير المعارضة العسكرية، وأدواتها السياسية، كمتمردين على سلطة الدولة الشرعية، وليس كثوار أسقطوا شرعيته، بعد ارتكابه انتهاكات بحقهم أجبرتهم على حمل السلاح في وجهه.

على أرض الواقع، ثمة شكوك حول مدى جدية هذا العفو، وما إذا كان سيشمل فعلاً نشطاء ومسلحين، أم أنه يقتصر، كما جرت العادة، على أشخاص انتهت أصلاً محكومياتهم، أو ممن جرى اعتقالهم عن طريق الخطأ، أو من المتورطين في جرائم جنائية، أو من أنصار النظام الذين غضب عليهم لسبب أو لآخر. ومن غير المرجح أن يبادر أحد إلى تسليم سلاحه للنظام نزولاً عند شروط بنود العفو، بالنسبة لمن يحملون السلاح.

كما أن مرسوم العفو يندرج في سياق استراتيجية أفصح عنها النظام عبر بعض مسؤوليه، تشمل مضاعفة سياسة الهدن في مختلف المدن السورية، وخصوصاً في المناطق المحيطة بدمشق، لتأكيد سيطرة النظام على الأوضاع هناك، وإبعاد أية تهديدات عن العاصمة، وهو ما قد يتجلى بصورة أوضح في المرحلة المقبلة.

ويرى رئيس "تجمع المحامين السوريين الأحرار"، المحامي غزوان قرنفل، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه عندما يرتبط أكثر من ثلثي مرسوم العفو الذي أصدره بشار الأسد بمواد قانونية مرتبطة بقانون "الإرهاب"، يكون حينها في صدد توجيه رسالة مفادها أنه يعفو أو يخفف العقوبة عن "إرهابيين"، وأن مصلحة الوطن العليا تستلزم ذلك حسب تصوره ومسعاه. وبحسب قرنفل، فإنّ الرسالة المهمة الأخرى تفيد بأنه يعفو عمّن تورط وكان طرفاً في "مؤامرة على السلطة أو الدولة"، ما يعني إصرار النظام ورأسه على توصيف كل ما حصل منذ انطلاق الثورة، وكأنه مجرد مؤامرة على أمن وسلامة الوطن السوري، وأنه الحامي له، والمدافع عن سلامته في وجه تلك المؤامرة.

وفي تفاصيل نصوص مرسوم العفو، يقول قرنفل إن المادة الثانية من القانون 19 للعام 2012، التي شملها المرسوم، تتحدث عن عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة لمن كان طرفاً في "مؤامرة على الدولة". والفقرة 2 من المادة 3 من القانون نفسه تتحدث عن عقوبة الأشغال الشاقة سبع سنوات لمن انتسب لمنظمة إرهابية. أما الفقرة الأولى من المادة الخامسة، فتشير إلى من حاز أو هرّب أو صنع أو شارك بتصنيع السلاح. ويلفت قرنفل إلى أن مراجعة متأنية لمضامين هذا المرسوم، تشي بما يراد منه في الدرجة الأولى، وهو "الوصم بالأرهاب، لكل من حمل السلاح ضد سلطة الاستبداد التي أبادت ما لا يقل عن نصف مليون من السوريين، وشردت نصف الشعب السوري، وبأنهم مجرد متمردين على سلطة الدولة".

وختم قرنفل أن النظام "يحاول أن يصوّر كل منشق على أنه متمرد، وكل من قدّم دعماً ولو مادياً للناس، بأنه داعم وممول للإرهاب، وكل من حمل السلاح أنه متمرد على سلطة الدولة".

أما الرئيس التنفيذي لحزب الجمهورية، الخبير القانوني محمد صبرة، فيقول بدوره لـ"العربي الجديد"، إن الأسد "مجرم حرب ومغتصب سلطة، ولا يحق له إصدار مثل هذا العفو، لا سيما أن هناك توصية صادرة عن مجلس حقوق الإنسان بإحالته إلى محكمة الجنايات الدولية لمحاكمته كمجرم حرب وفقاً للقانون الدولي، ورغم ذلك، فإن هذا العفو الذي أصدره هو عفو مفخخ هدفه إحداث بلبلة في الحاضنة الشعبية للثورة، فضلاً عن إيهام العالم بأنه يقوم بخطوات إيجابية تساهم في خلق مناخ جديد في سورية".

ويتابع صبرة أنه "من خلال تحليل نصوص هذا المرسوم، نجد أنّ الجرائم التي أوهم المرسوم أنه تم العفو عنها، تحمل خديعة كبرى، فجريمة إضعاف الشعور القومي وإيقاظ النعرات العنصرية والمذهبية، وجريمة إذاعة أنباء كاذبة توهن نفسية الأمة، هما جريمتان حوكم بموجبهما معارضون سابقون، وقد فات أوانهما، لأن الواقع في سورية قد تجاوزهما ولم يعد بالإمكان تطبيق نص هاتين المادتين أصلاً".

أما جريمة إثارة عصيان مسلح، فهي على حد تعبير صبرة، "إحدى الخدع أيضاً، ذلك أن الدعوة لإثارة عصيان مسلح مشمولة بالعفو، لكن المادة 293 فقرة ب، تنص على أنه في حال وقوع العصيان، يُعاقب المحرض بالاعتقال خمس سنوات، ما يعني ببساطة أن هذا العفو لن يشمل أحداً وفقاً لهذه المادة".

وحول ما يخص جريمة المؤامرة وارتكاب أعمال إرهابية، فقد شملها مرسوم العفو في شقها الأول (جريمة المؤامرة)، ولم يشمل "ارتكاب أعمال إرهابية". ومعلوم أن النظام يعتبر أن كل ما يحصل في سورية، أعمال إرهابية، وبالتالي لن يشمل العفو أي مواطن سوري، وفق صبرة.

أما جريمة "إنشاء جمعية بقصد تغيير كيان الدولة أو نظامها"، فيرى صبرة أن الفقرتين الثانية والثالثة من هذه المادة، التي تتحدث عن المؤسسين والمديرين ومسؤولي هذه الجمعيات، لا يشملهم العفو.

وبما يتعلق بجريمة المؤامرة المذكورة في المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب الصادر في العام 2013، فهذه الجريمة مشمولة بالعفو. لكن أيضاً مفهوم المؤامرة لا يشمل التنفيذ، وهو أمر غير متحقق في الحالة السورية.

ويحذّر صبرة من أن هذا المرسوم هو "فخ يجب أن ألا ينخدع به أحد، وهو خالٍ من أي مضمون، ولن يشمل أياً من المعارضين، وسيكون النظام قادراً على كشف عدد أكبر من المعارضين في حال قيامهم بتسليم أنفسهم، مع أن محاكمتهم ستبقى قائمة لعدم شمولهم بالمرسوم". ويذكّر صبرة بالمأساة الكبرى المتجسدة بوجود عشرات الآلاف من المعتقلين لدى الفروع الأمنية، ممن لم تُوجه إليهم أي تهمة، وبالتالي لا يشملهم مرسوم العفو لأنهم أصلاً خارج عمليات التوقيف القانونية.

المساهمون