مرسم... وطن

07 نوفمبر 2019
أكتب لأني أكتب، وليس لشيء آخر. لأن الحياة بدون كتابة تفقدني صوابي، إنها حياة دون أمل. لذلك أتصرف مثل "المقطوع" خلال فترات عجزي.

أجلس حالياً في مرسمي، الذي كان مطبخاً مليئاً بخرداوات لا تنتهي. رتبته، وما زلت إلى الآن أعجز عن وصفه. لكني أحبه، أحبه كثيراً. إنه المكان الأكثر قرباً لي في المنزل، وبعده "السدة". سأفتقده مهما كان المكان الذي سأرحل إليه. بسيط وهادئ ولا يمكن تخيله. هل قلت إنه موطني؟

لطالما أحببت المطابخ، ليس للطبخ أو للعمل المنزلي، إنما لأنها تجعلني أكتشف الحياة أكثر. مطبخنا بمنزلنا الأول كان صغيراً جداً، إذا وقف شخصان فيه فلا يمكنهما التحرك دون الاصطدام ببعضهما. كان هناك سور صغير يبدو كنتوء في الجدار نضع المنبه فوقه الذي كان يوقظ عمتي وهي في منزلها وتعيش داخله - المنبه - صراصير صماء على ما يبدو. وكان يفضي إلى "دوش" جميل تدخل من نافذته أوراق الشجرة التي ما زلت أظنها السبب في عدم انهيار المنزل إلى الآن.

في أرضية المطبخ بلاط أصفر وأحمر، وفي الوسط أزيل البلاط وظل الإسمنت بارزاً نتيجة إصلاح طارئ. الإسمنت حاد يؤذي كل من يحاول تجفيف الأرض. السلالم مجرد إسمنت مخلوط بالحصى، لذلك فقد امتلأت بالحفر بعدما اقتلعت الحصى. لم تكن الثلاجة في المطبخ، بل أسفل الدرج بجانب باب مكتبة والدي المحرمة آنذاك. الثلاجة نفسها التي نمتلكها الآن، والتي تمتلك - كنوع من التميز عن باقي الثلاجات - مفتاحاً خاصاً بها. وفي يوم صيفي اكتشفت وجود بيضة نعامة داخلها، ظللت أتخيل طهوها كلما فتحت الثلاجة إلى أن رمتها أمي بعدما فاحت رائحتها.

في المقابل، تواجدت غسالة الثياب بجانب حوض الغسيل لعدة أسباب، من بينها أنه لا صنبور ماء في السطح ولا قدرة لجدرانه الهشة على تحمل أزيزها. في مطبخنا الحالي الأمور أكثر تنظيما وجمالا واتساعا. مطبخ هادئ، لا حفر فيه، ولا صراصير، لا يفضي إلى "دوش"، ويسع كل العائلة.

في مرسمي - المطبخ المكان هادئ جداً، مليء بالأسرار التي أخفيتها في الأركان، ومنتثر بالألوان؛ اليائسة والزاهية، الجميلة والمشرقة، الغريبة وغير القابلة للصد. مطبخي - المرسم يمتلك كل آمالي، ابتساماتي، هرائي، سذاجتي، وانبثاق الخيال جراء زيارة عصفور وحيد له.. هو موطني، وهو لا يقدر بثمن، لسبب وجيه؛ لأني من صنعه.