مرة أخرى:اغتيال ناجي العلي

مرة أخرى:اغتيال ناجي العلي

17 نوفمبر 2014
الصورة
+ الخط -
لن يتوقف النقاش والجدال حول دور وحياة ونضال الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (أبو عمار)، ما دام الصراع العربي الاسرائيلي قائماً، وما دامت القضية الفلسطينية بدون حل يعيد الارض والحقوق والكرامة للشعب الفلسطيني، ومن ورائه العرب والمسلمين وأحرار العالم.

لا يتصل الجدل بأبو عمار الا من حيث كونه رمزاً لفلسطين وكفاحها، فتغدو حتى التفاصيل الشخصية مهمة كقبلات عرفات الكثيرة ولهجته المصرية المميزة وعباراته الشهيرة بدءاً بتلك التي قالها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة 1974 "جئتكم بالبندقية بيد وبغصن الزيتون بيد... فلا تُسقطوا الغصن الأخضر من يدي"  الى عبارته التي اختتم بها حياته في المقاطعة برام الله 2004 "شهيداً، شهيداً، شهيداً".

في الذكرى العاشرة لرحيل عرفات ما زالت تبرز تفاصيل تتعلق بأبو عمار وما زالت موضع اتفاق واختلاف كظهور ابنته زهوة التلفزيوني من مالطا تتحدث بلغة عربية ركيكة، وادعاءات قس انجيلي بريطاني بأن عرفات قد يكون تحول للمسيحية في أخريات أيامه وشاهِده أن عرفات صلى معه لأجل فلسطين وأنه بكى لدى مشاهدته فيلم"آلام المسيح".

لن نأخذ دموع عرفات على محمل الجد، فهي، على الأغلب، جزء من تكتيكاته اليومية كقبلاته التي كان يقدمها رشى صغيرة ويصدقها، فقط، من لا يعرفون عرفات.أسعدني اهتمام الصديق صقر أبو فخر بالحديث الذي أدليت به إلى "العربي الجديد"، بقدر ما أزعجني ابتعاده عن الموضوعية، في غير موضع.

هنا رد الاستاذ عبد القادر ياسين حول ما كتبه الاستاذ صقر أبو فخر عن نفي التهمة الموجهة لعرفات باغتيال ناجي العلي:

- حسني صالح الخفَّش، صديقي منذ صيف عام 1965، ولا يمكن أن أخطئ في اسمه.

والموضوع ينحصر في الخطأ المطبعي. وهذه ليست مسؤوليتي. الأمر الذي ينطبق، أيضاً، على كل من توفيق شديد، و"حدتو". وأنت تعلم بأنني أصدرت ثلاثة كتب عن الحركة الشيوعية المصرية، فضلاً عن أنني سجنت مع الشيوعيين المصريين، في حملة 1959، وأعرف كل قادتهم، ومعظم كوادرهم، وأعضائهم.

- القاصي والداني، ممن يكبرونك في السن، وعاشوا في قطاع غزة أو مصر، يعرفون أن صلاح خلف (أبو إياد) كان على رأس "الإخوان" الفلسطينيين في مصر (1954-1957)، بعدما حل محل فتحي البلعاوي، الذي وصل إلى قطاع غزة، مطلع عام 1954. وهذا لا يسيء إلى أبي إياد، في كثير أو قليل. وحين أصدر كتابه "فلسطيني بلا هوية"، صارحته بملاحظتين، أولاهما: أنه الإخواني الذي قاد ــ مع البلعاوي ــ مظاهرات الاحتفال بالذكرى الأولى لانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة في (7/3/ 1958)، وعودة الإدارة المصرية للقطاع (14/3/1958).

أما الملاحظة الثانية، فكانت عن تحية أبو إياد للرئيس السوري، حافظ الأسد، باعتباره من احتضن "فتح"، من بدايتها. بينما الصحيح أن أحمد سويداني (رئيس أركان الجيش السوري اثناء النكسة من 1966-1968) هو من قام بهذا الدور.

- رأى النظام الناصري في محاولة "فتح" توريط الأنظمة العربية في حرب مع إسرائيل، خدمة للحلف المركزي (السينتو). وانطلق الموالون للناصريون في الصحف اللبنانية يشيعون هذا الاتهام، على النحو الذي يذكره أبو فخر. فيما واجه الأمن المصري من اعتقلهم من أعضاء "فتح" (1965 و1966) في قطاع غزة بالاتهام نفسه.

- لم يحدث أن انضممت إلى حركة "فتح الانتفاضة "، وإن عملت باحثاً في مركز الدراسات التابع لها. وحين قُتل بعض الفتحاويين (من أنصار عرفات)، ربيع 1985عام، صرح العقيد أبو موسى (أمين سر حركة فتح الانتفاضة) بأنه سيتم شنق القتلة في ميدان عام.

وما إن انكشف أن من قتلهم هو رئيس المخابرات العسكرية في حركة فتح الانتفاضة، العقيد حسن أبو شنار، حتى سارع أبو موسى إلى اتهام الشهداء بالتجسس. عندها كتبت استقالتي من المركز، مسببة. ونُشرت الاستقالة في الصحف الكويتية بنصها، وفي "اليوم السابع"، بعد أن أسقطت منها ما يمس سياسات ياسر عرفات. حيث لم تمنعني معارضتي لأداء عرفات، من إدانة قتل عناصره؛ كما لم تدفعني هذه الإدانة إلى الارتماء في أحضان ياسر عرفات!

وحين شن أبو خالد العملة (فتح الانتفاضة) عدوانه الشرس على أحد مخيمات بيروت، كنت الوحيد الذي ندد، بأقسى العبارات المكتوبة، بذاك العدوان وصاحبه.

بمجرد تقديمي المذكرة لأبي موسى، عاتبه أبو شنار لأنه لم يعتقلني. وذهب مسؤول المخابرات في "فتح الانتفاضة"، آنذاك، زياد الصغير إلى مسؤول الضابطة الفدائية السورية، العميد عبد الرحمن (فارس)، طالباً الإذن باعتقالي، ورفض الأخير منحه هذا الإذن، مدعيًا بأن ما جاء في مذكرتي صحيح. هنا لجأ أبو خالد العملة إلى ترويج الشائعات ضدي، بعد أن استعصى عليه اعتقالي، أو إرسال زعرانه للاعتداء عليَّ.

- أما غضب صقر أبو فخر، وخروجه على الموضوعية، وامتطاؤه كرسي الأستاذية، ليعلمني أصول كتابة التاريخ، فأعتقد بأنه سيكتشف كم كان مخطئاً بما كتب، بعد أن يقرأ ردي هذا. ولا يزال في الجعبة الكثير.

من قتل ناجي العلي؟

أما ما أورده صقر أبو فخر عن اغتيال ناجي العلي وتبرئة ياسرعرفات من هذه التهمة فأقول:
- ليس من باب النميمة القول بأن عرفات من أمر بقتل ناجي العلي، بل هناك حزمة من المعلومات الموثوقة، التي جُمعت من تونس ولندن، تؤكد هذا الأمر. فضلاً عن حكم صدر عن محكمة بريطانية أدان (الـ 17)، و"الموساد" وقد نشرت يومية "الشرق الأوسط" اللندنية، في حينه، القصة التي اعتمدتها المحكمة البريطانية، وحكمت على إسماعيل صوان، عضو الـ 17، بالسجن 12 سنة، وعلى بعض الإسرائيليين وعضو في مكتب منظمة التحرير، بالخروج من بريطانيا.

وهنا تبدو أهمية شهادة عالم الاجتماع الفلسطيني المرموق، باسم سرحان، والذي كان يستضيفه ناجي في منزله بلندن، والتي نشرها بعنوان "أمانة من ناجي العلي" حيث يقول: "أمام باب منزله في لندن وقبل اغتياله بيومين أو ثلاثة أيام قال لي ناجي العلي: أحملك أمانة. كائناً من كان قاتلي، أن قاتلي هو ياسر عرفات".

ويسرد سرحان كيف استقبله ناجي العلي في بيته قادماً من الكويت متوتراً ومضطرباً، ويعيش ثورة غضب عارمة وأخبره "إنهم يهددونني بالقتل". وحكى له قصة المكالمات الهاتفية التي وردته من عدد من المثقفين الفلسطينيين في أعقاب نشر كاريكاتير "رشيدة مهران". وكانت معظم المكالمات تأخذ طابع التهديد المبطن بالحرص على حياته. ومنها مكالمة من الشاعر محمود درويش وثانية من بسّام أبو شريف وثالثة من شخص من قريته يدعى أبو فارس كان مسؤولاً في حركة فتح الانتفاضة وما لبث أن التحق بياسر عرفات في تونس. بينما نصحه أحدهم "هذه فرصتك الأخيرة للبقاء على قيد الحياة. ارسم رسماً تمدح فيه الختيار".

ويتحدث سرحان أن ناجي العلي أخبره أن أبو إياد (صلاح خلف) اتصل به وقال له: يا ناجي لقد صدر القرار. اخرج فوراً من بريطانيا، أو على الأقل اخرج واختف في إحدى القرى البريطانية". وهذه كانت أبلغ رسالة من المسؤول الفلسطيني الأمني الأول الذي عرف حتماً بالقرار الذي أصدره ياسر عرفات شخصياً باغتيال ناجي العلي.

ويسرد محاولات طلبه حماية ناجي العلي من فتح الانتفاضة "اتصلت هاتفياً حوالي منتصف الليل بالدكتور راجي مصلح (صديق ومسؤول في حركة فتح الانتفاضة) وطلبت منه إبلاغ الأخ أبو خالد العملة والأخ أبو موسى (قادة فتح الانتفاضة) بأمر التهديد بالقتل الذي تلقاه ناجي العلي من عدة أشخاص في تونس. بعد نصف ساعة تقريباً اتصلت ثانية بالدكتور راجي مصلح فقال لي إن حركة فتح الانتفاضة تستطيع حماية ناجي العلي في سورية وليبيا فقط، وإنها لا تستطيع حمايته إذا عاد إلى لبنان. وأضاف: إن تقدير الأخ أبو خالد العملة هو أن التهديد حقيقي وأن على ناجي أن يغادر لندن". فرد ناجي: "لا أستطيع العيش في سورية أو ليبيا لأنني سأبقي حياً ولكن ميتاً لأنهم سيمنعونني من مواصلة التعبير الحر المطلق بالرسومات".

ويذكر كيف تعرف على ناجي العلي في الكويت عام 1984، بعد أن كتب مقالاً في صحيفة "الوطن" الكويتية بعنوان "ناجي العلي ثروة وطنية وقومية"، وأن العلي أخبره بمحاولة دهسه بشاحنة بطريق ذهابه لعمله بجريدة القبس الكويتية وتهديدات أمن القوة 17 له.

وأخيراً يسرد قصة لقاء ياسر عرفات وناجي العلي في الكويت بمبادرة من محمد جاسم الصقر رئيس تحرير صحيفة القبس حينها، حيث بادر عرفاتُ العلي بالقول: لماذا تهين شعبك بالرسومات يا ناجي؟ فردّ عليه ناجي: "أنت تهين شعبك حين تتكلم باللهجة المصرية وأنت قائد فلسطيني". وأثناء خروج ياسر عرفات وآل الصقر وناجي العلي قبض عرفات على خاصرة ناجي وقرصها قرصة موجعة. وقال لي ناجي العلي "إن قبضته آلمتني وشعرت بأنها قرصة الموت".

دلالات

المساهمون