مربعانية وسعودات... رموز شتاء كبار السنّ في لبنان

مربعانية وسعودات... رموز شتاء كبار السنّ في لبنان

06 ابريل 2020
الصورة
يقسو "فحل الشتاء" على كلّ لبنان أحياناً (حسين بيضون)
+ الخط -
كانت للأهل والأجداد قديماً حسابات خاصة بفصل الشتاء تعتمد على تقويم توارثوه، لا سيما في المناطق الجبلية، فيعرفون من خلاله أحوال الطقس ومآله من ثلج ومطر وبرد ودفء

ما زال من تجاوزوا السبعين عاماً، في المناطق الجبلية في لبنان، والبلدان المجاورة، يسألون: "قديش بقي (كم بقي) بعد فيه بالمربعانية؟ أو بأيّ سعد نحن اليوم؟ أو قديش فيه بعد بسعد ذبح؟". هو تقويمهم الخاص الضارب في القدم، بإشاراته الدالة على الطقس ومواسم الزرع والحصاد.

في زمننا الحاضر، ينتظر الجميع ما تعلنه الأرصاد الجوية عن أحوال الطقس، وتُعطى تسميات لكلّ منخفض جوي يضرب لبنان وسورية وفلسطين والأردن، بحسب تأكيد عضو المجلس المذهبي الدرزي في لبنان، المؤرخ والكاتب الأدبي والتراثي الشيخ غالب سليقه، وهو معلم لمادة التاريخ، وكان مديراً للمدرسة الرسمية في بلدته الفرديس – قضاء حاصبيا، جنوبي لبنان، على مدى 46 عاماً.



يتابع أنّ هذه الدول التي كانت تعرف بسورية الكبرى، ما زال كبار السن فيها يتحدثون عن الطقس بلغتهم التي لم تتغير وتعود إلى مئات السنين الخالية، ففصل الشتاء له ما له وعليه ما عليه، والجيل الجديد لا يعرف عنه الكثير كما يقول، مشيراً إلى أنّ "هناك علما يعرف بعلم البواحير وهو قديم جداً ولربما منذ عهد الكنعانيين أو الفينيقيين ثم الرومان، وكان أهلنا يعتمدون عليه خصوصاً في أعمالهم الزراعية وفي تنقلاتهم اليومية سواء في الليل أو النهار، وهذا العلم هو استكشاف ما لم يعرف في وقته بالنسبة للطقس وغيره. مثلا، ولمعرفة الأيام والأشهر المقبلة أهي ماطرة أم جافة، يتقصون ذلك ما بين عيدي الصليب الغربي والشرقي أي من 14 سبتمبر/ أيلول إلى 25 منه، غربي، ومن 27 سبتمبر إلى 8 أكتوبر/ تشرين الأول شرقي، فكلّ يوم يعادل شهراً من أشهر السنة، فيضع البعض منهم وعاء صغيراً فيه كومة من الملح عند شرفة المنزل مساء فإذا رطب الملح صباحاً يكون أكتوبر/ تشرين الأول ماطراً، وإذا ما جفّ الملح في اليوم التالي فيكون نوفمبر/ تشرين الثاني غير ماطر، وهكذا دواليك على مدى 12 يوماً تمثل أشهر السنة، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ اعتماد الناس كان على الزراعة وهي المورد الرئيس للعيش، وتأمين المؤونة من الحبوب والمواشي والدواجن. وكانوا يقولون إنّ فلاح مكفي (مكتفٍ) سلطان مخفي، لذلك وجب عليهم الانتباه الى الطبيعة التي تدلّ على كلّ شيء، لذلك اهتمّوا بعلم البواحير. ومقولة كلّ قديم له اعتبار صحيحة، لأنّ هذا الاعتبار لم يأتِ إلا بعد التجارب، من أهلنا وأجدادنا".

من هنا، ومع بدء فصل الشتاء يبدأ كبار السن، هؤلاء، بحساب أيام المربعانية، ومدتها أربعون يوماً، تبدأ في 21 ديسمبر/ كانون الأول وتنتهي بنهاية يناير/ كانون الثاني، ويلقبونها بـ "فحل الشتاء" لما تحمله من ثلوج وأمطار وبرد قارس. يلي المربعانية، الخمسينية، وهي عبارة عن خمسين يوماً تبدأ مع نهاية يناير وتستمر حتى 21 مارس/ آذار، ويقول عنها كبار السن "السعودات"، أو "السعود"، جمع "سعد"، وتقسم السعودات إلى أربعة أقسام، وكلّ سعد منها 12 يوماً ونصف.

الشيخ غالب سليقه (العربي الجديد) 












يشير سليقه إلى أنّه تحدث في مؤلفه "مآثر وعبر من التراث والتاريخ" الصادر عن مؤسسة نوفل، عن علم الطبيعة، أو ما يعرف بعلم البواحير، وعن المربعانية والخمسينية أو السعودات، بأنّ "الفلاحين يرددون أنّ كلمة سعد كانت لبدوي يرعى جماله إبان فصل الشتاء بعيداً عن مضارب قومه في الصحراء. آنذاك عصفت بالصحراء عاصفة باردة أدت إلى سقوط الثلج، والأمطار الغزيرة. خاف أهل سعد على ابنهم فذهبوا إليه يتفقدونه، وأثناء ذهابهم، قال أبوه، والعرب مشهود لهم بعلم الفراسة، إذا كان سعد ذبح، فقد نجا، وهكذا وجدوه قد ذبح جزوراً، أي جملاً صغيراً، ثم قدد لحمه كي يأكله وصنع من جلده غطاء يقيه لسع البرد القارس". وهناك حكاية أخرى تقول إنّ أحدهم ويدعى "سعد"، كان قد قرر الانطلاق في رحلة طويلة، فنصحه والده بالتزود بالطعام والفراء اتقاء للبرد، فلم يسمع كلامه اعتقاداً منه أنّ الطقس تحسن ولن يتغير، لكن ما إن بلغ منتصف الطريق إلى حيث يقصد حتى اكفهرت السماء وتلبدت بالغيوم وهبت ريح باردة وهطل مطر وثلج بغزارة، ولم يكن أمامه سوى ذبح ناقته، وهي كلّ ما يملك حتى يحتمي بأحشائها من البرد القارس. لذلك ذبح الناقة، فكان "سعد ذبح"، الذي يبدأ في الأول من شهر فبراير/ شباط، ولقساوة الطقس يقول المثل الشعبي عنه: "سعد ذبح، كلبه ما نبح، وفلاحه ما فلح، وراعيه ما سرح". وبعدما احتمى في أحشاء الناقة من البرد، دب الجوع في سعد ولم يجد أمامه سوى لحم الناقة للأكل، وهكذا كان "سعد بلع"، الذي يبدأ في 13 فبراير، والمثل يقول "بسعد بلع بتنزل النقطة عالأرض وتنبلع" أي ترتوي الأرض والآبار الجوفية والأنهار. وبعدما انتهت العاصفة وظهرت الشمس خرج سعد فرحاً من مخبئه، فسمي بـ"سعد السعود" لأنّ الحظ والسعد كانا من نصيبه، ويبدأ في 26 فبراير، حيث يميل الطقس إلى الدفء، ويقول المثل "بسعد السعود بتدب الموية (الحياة) بالعود وبيدفى كلّ مبرود، والغريب عن أهله بيعود". ولكي يتابع طريقه من دون مشاكل قام بصنع معطف له من وبر الناقة، وخبأ زاداً له من اللحم المتبقي من الناقة وهكذا كان "سعد الخبايا"، الذي يبدأ في 9 مارس، وفيه يصل سعد إلى مقصده بسلام، ولهذا يقول المثل: "بسعد الخبايا بتطلع الحيايا (الأفاعي) وتتفتل الصبايا"، إذ إنّ الأشجار تزهر مبشرة بقرب الربيع والحشرات تخرج من مخابئها.

هناك في ثقافة الطقس الشعبية أيضاً "المستقرضات" وهي آخر أربعة أيام من فبراير وأول ثلاثة أيام من مارس، وهي أيام باردة ومثلجة وقاسية، لا سيما على كبار السن، إذ يقول فبراير لمارس: "آذار يا ابن عمي، ثلاثة أيام منك وأربعة أيام مني لنخلي العجوز توقد دولابها والصبية قبقابها"، والدولاب هو خزانة الخشب لدى العجوز والقبقاب هو الخف المصنوع من الخشب، ويرمز الفعل إلى كون حطب التدفئة قد نضب لديهما.



ويؤكد سليقه أنّ هذا التقويم كان الجميع يتبعه قديماً "خصوصاً أجدادنا الفينيقيين في البحار"، وكانوا لا يذهبون للسفر بالبحار أيام الشتاء، كذلك يتبعه الفلاحون ورعاة الماعز. ويلفت إلى أنّ كونه كاتباً ومؤرخاً وخلال جولاته على هذه البلاد ليس لبنان وحده من ينفرد في هذا التقويم والعادات والتقاليد عن فصل الشتاء والمربعانية والخمسينية والسعودات، بل هو تقويم أصيل لدى جميع شعوب سورية الكبرى وبلاد ما بين النهرين، وهذا ما وجدته في زياراتي المتعددة إلى الأردن وسورية وفلسطين قبل احتلالها، وأخذت مراجع عديدة من هناك، منها ما هو مخطوط ومنها ما هو متناقل بين كبار السن، لكن اليوم، لا يعرف الجيل الجديد إلا القليل عن هذا التقويم المتوارث لما للتكنولوجيا والأرصاد الجوية من علوم وأقمار اصطناعية تعطي كلّ يوم تفصيلاً جديداً عن حال الطقس ومآله".

أم روز الأخرس، التي كانت تقوم بتقليم أشجار مثمرة في محيط منزلها، تتحدث عن هذا التقويم الذي ورثته عن أهلها وأجدادها، والأمثال الشعبية التي ما زالت تحفظ بعضاً منها، مثل "شباط اللبّاط ما في على كلامه رباط" أي أنّه خارج التوقعات. و"شباط بيقول لآذار: آذار يا حنوني العجائز كيعوني" أي عذبوني، كونه يريد القضاء عليهم. كذلك، يقول المثل: "في شهر آذار طلّع البقر عالدار" وفيه يبرد الجو. وتشير إلى أنّها ما زالت تعتقد بهذه التسميات لفصل الشتاء: "لكن أصبحنا اليوم نتابع الأرصاد الجوية عبر التلفزيون".

أم روز الأخرس (العربي الجديد) 












كذلك، يشير أبو علي كرم إبراهيم، من بلدة الهبارية في قضاء حاصبيا، إلى أنّ "هذا الأمر توارثناه من أهلنا وأجدادنا الفلاحين، إذ يعتمدون على حدسهم، في المربعانية والسعودات، وقد كانوا يتعاملون مع أرضهم من خلال السعودات. وفي المربعانية، فحل الشتاء لما تحمله من أمطار وثلوج، يبقى الفلاحون في منازلهم قرب الموقد ولا يذهبون إلى حقولهم، وهذا الأمر متعارف عليه في بلاد فلسطين وسورية ولبنان والأردن"، مشيراً إلى أنّ هذه المنطقة تقع عند أطراف جبل الشيخ وهي على الحدود مع فلسطين وسورية.

هذا التقويم الذي كان حتى الأمس القريب يعتمد عليه الناس لمعرفة أحوال الطقس، يمكن القول إنّه بات اليوم في غياهب النسيان، والجيل الجديد لا يعرف عنه شيئاً إلا في ما ندر، فالأرصاد الجوية العلمية كفيلة بإعطاء توقعات الطقس لحظة بلحظة، لكن من المفيد التذكير بما كان الأقدمون يتبعونه لمعرفة الطقس وأحواله.

أبو علي كرم إبراهيم (العربي الجديد) 

المساهمون