مراكش في لوحات.. هذه المدينة لم تعد تشبه المرابطين

21 مارس 2019
الصورة
من مراكش
مراكش من فوق، تلك هي الصورة الأولى. المدينة حمراء بالفعل، واسعة وشاسعة كعاصمة "إمبراطورية" قديمة. "المغرب من فوق" عنوان شريط وثائقي شهير، كان قد رسم صورة عن المغرب في المتخيّل العالمي، مثلما فعل المستشرقون والرحّالة والباحثون والملصقات السياحية. على الأرض ماذا سيبقى من ذلك؟



إذا لم يكن هناك أحد في انتظارك، فسائقو التاكسي هم من ينتظرونك. نبّهني مغربي جلس حذوي في الطائرة، بأنه من الضروري السؤال من البداية عن السعر، ثم أكّد لي أن أقسِم دائماً ما يقترحه السائق على اثنين، مشيراً إلى أنها قاعدة ذهبية لكل المعاملات التجارية في المغرب. ومن منطلق معرفته قال: "لا تدفع أكثر من سبعين درهماً، فالمسافة بين المطار ووسط المدينة قصيرة". أمّا السائق الذي اعترضني أمام المطار فقال إنها تتكلّف مئة درهم، وقبل أن أقول شيئاً كان ينادي على شرطي قريب، ويسأله أمامي عن ثمن الرحلة فيؤكّد ما قاله. انتهى الموضوع بشكل حاسم. في السيارة كان هناك راكبان آخران. فرصة لجولة أولى في مراكش مع حلول المساء.



ساحة جامع الفنا هي المدخل الأنسب إلى مراكش، وهي التي تتوسّط متاهتَيها: المدينة العتيقة بأزقتها الضيقة، والمدينة الحديثة بمبانيها الإدارية والسياحية. غير أن ساحة جامع الفنا لا تتوسّط المدينة فحسب، بل الفضاء الموسّع أيضاً: يتجاور الجميع، ولها من كل ثقافة سفير؛ لسان عربي وأوشام أمازيغية وإيقاعات أفريقية وسيّاح أوروبيون، كل ذلك يذوب في الضجيج.



تسري مع بداية المساء روح ما في العناصر المتوفرة، فرغم أن المكان لا يهدأ من الصباح إلى الصباح الموالي، إلا أن ما بعد صلاة المغرب يشبه تدفّق دماء في جسد عَرف بعض الهمود. راقبتُ ذلك من شرفات المقاهي المطلة على الساحة، ومن زوايا مختلفة. في ذلك التماس بين النهار والليل، ومع إشعال الفوانيس، تنتصب الحلقات بالتدريج، الحكاؤون والموسيقيون والراقصون وملاعبو الثعابين والقرود، والواشمات والعرّافات، والباعة بمختلف بضائعهم. يعرف كل طرف مِن هؤلاء كيف ينتزع العابرين. لا وجود هنا للمتجوّل الذي ينسحب إلى أفكاره، أشياء كثيرة معدّة لاقتناص سمعه وبصره وربما الإحاطة به وإيصاله إلى إحدى الحلقات. وبعد قوّة جذب المشاهدين، تأتي قوّة استخراج أموالهم. إذا استعملنا عبارة حديثة، يمكن القول بأن المونتاج هو الأداة الأكثر نجاعة، حيث يجري تقطيع الحكايات والأغاني فتطول السهرة. لا يوجد معنى للوقت في زحمة الفرجة.



لم تكتمل أمامي أية حكاية. يحدث أن تختلط الأحداث أو أتوه مع كلمة غامضة، كما أنه كثيراً ما يتغيّر المتحدّث فأُضيع الخيط، لكني أرى البعض لا يزال مشدوداً إلى الحكاية. بعضهم افترش الأرض وآخرون ظلوا واقفين على أهبة الانسحاب. لا أدري هل إن هذه الحكايات لا تزال تخاطب المراكشي كما كانت في الأصل، أم أن مؤثرات سياحية قد تسرّبت إلى بُنيتها السردية.



في 2016، أبهرتني مسرحية مغربية عُرضت في تونس عنوانها "الرابوز" واعتمدت على فن الحلقة. خلق ذلك العمل الفرجوي في ذهني متخيّلات رائعة ورائقة عن هذا الفن. على أرض الواقع، أجد نفسي مشتّتاً، يسهل كسر انتباهي، ولا أدلف بسهولة إلى عالم الحكاية. أعقد مقارنات بين المسرحية وألوانها القوية وما يدور أمامي تحت إضاءة خفيفة تحجب الألوان تقريباً. أعترف لنفسي أن فن الحلقة قد أعجبني في المسرحية أكثر من الواقع، ربما ذلك هو مستقبله.



في الخمسينيات، زار الكاتب الألماني إلياس كانيتي مراكش. كتب يقول: "لاحظت أن الناس لا يعيرونني اهتماماً، ولا ينشغلون بي". وذات مرة وهو يحضر حلقة، أشار: "انتبه الراوي إلى وجودي. غير أني لم أكن بالنسبة إليه وسط حلقة مسحورة ومفتونة به سوى أجنبي لا يفهم ما يقول". لو عدت اليوم، يا كانيتي، لن تعرف الساحة التي تحدّثتَ عنها.



باتت تتخلّل الحلقات صنوف جديدة من الفنون، راقصون على إيقاعات غربية وعازفو غيتار وغيرهم. هم أيضاً لهم وسائلهم في جذب المتفرّجين. تتمنى أن تظل الساحة قريبة من هويتها الأزلية، لكن لا خوف عليها، فالضوضاء تصهر كل شيء، ومن غير الممكن الحديث عن نشاز.



رغم أن المطاعم على جنبات الساحة تضع المأكولات المغربية كأبرز ما تقدّمه، غير أنها بدت لي كمنطقة تجاذب. تبدو متردّدة بين هذه المأكولات التي تحتاج وقتاً طويلاً للإعداد، والأكل لاحقاً، وتلك الوجبات السريعة التي تتيح مرور سيّاح كثيرين وخروجهم سريعاً ليجلس في أماكنهم آخرون. السياحة عجلة تحوّلات أخشى أن تدهس الأواني.



اقترب موعد المباراة بين ريال مدريد وبرشلونة. لم يكن من الصعب إيجاد مقهى ينقل المباراة، فصياح المعلقين العرب يمكن أن يُسمَع من بعيد جداً وأن يخترق حتى ضوضاء ساحة جامع الفنا. في المقهى، هناك قرابة الخمسين مشاهداً، يتحسّرون على الفرص الضائعة ويُعلنون عن تعصّبهم لهذا الفريق أو ذاك. عشرون دقيقة من اللعب، يدخل سائح إسباني مع زوجته، يجلس لمتابعة المباراة. يبادر صاحب المقهى بتغيير التعليق من العربية إلى الإسبانية. قبل نهاية المباراة بنصف ساعة، خرج السائحان الإسبانيان، للعشاء ربما، لا تهمّهما النتيجة النهائية مثل بقية المشاهدين. غير أن التعليق بقي بالإسبانية إلى النهاية.



في العاشرة صباحاً، تبدو ساحة جامع الفنا فارغة، أو هي كذلك حين نقارنها بليلة أمس. لعلّ هذا السكون الصباحي فرصة تقدّم للسيّاح كي يدخلوا إلى أسواق المدينة.



ثعابين مُلقاة في الأرض، ملفوفة على نفسها، كأنها حبال نائمة. لو أن صاحبها شاهد اهتماماً بها منك، سيبدأ عرضه. لا يوقظ ثعابينه، وإنما يبدأ حكاية. يضع يده على ثعبان ضخم، ويقول: أرأيت هذا، إنه زوج هذه الأفعى. تبدأ حكايةٌ لا تروقني كثيراً، لكن الانصراف ليس سهلاً، من باب المراعاة، ومُلاعِب الثعابين ومعاونوه يعرفون ذلك. النية الجازمة بالانصراف تعني تغيير العرض، وإذا انصرفت فعلاً فلا بدّ من "البركة". بعد قليل من التمرّس، يجدر اختيار العرض بعناية، وإلا سيعني ذلك توزيع البركات بلا فائدة ولا متعة.



في أجزاء كثيرة من المدينة العتيقة تشعر بمعنى الاختفاء. كأن الناس اختفوا، رغم حضورهم، فاسحين المجال لمن يريد أن يتفرّج في مراكش.



من الجميل أن يحافظ المغاربة على هندامهم. لكن لا أريد أن يتحوّل المواطن إلى ديكور.



ماذا لو بيعت كلّ دور المدينة العتيقة إلى السيّاح ليتمتعوا بالهدوء والسكينة؟



أسوار مراكش ضخمة وحمراء. هناك عناية واضحة بها. في السابق كانت توحي بأنها تحمي المدينة، كما تعلن عن هيبتها وهيبة من يحكمونها، وهي اليوم تحاول ربما أن تفصل بين عالمين، ولكن هيهات. داخل الأسوار أو خارجها، وحدها الشكليات ما يتغير.



حافظت مراكش على أسوراها وأبوابها الضخمة. أستحضر هنا مدينة تونس، لم يبق من أبوابها إلا القليل، أما أسوارها فقد قضمتها بالتدريج عوامل الإهمال وقلة الحيلة والسياسات العمرانية، وحين دخلت البلاد في عصر الاستثمار السياحي، لم تجد أسوارها.



كل شيء مرتّب بعناية في مراكش على مقاييس الطلب السياحي. هناك ذكاء مغربي لا يُنكَر في هذه النقطة.



هل بقي للمامونية نفس السحر. سحر المكان الأسطوري، ببهائه وقائمة ضيوفه من تشرشل إلى هيتشكوك. هل يمكن للسحر أن يتعايش مع جهاز التفتيش الإلكتروني في البوابة؟



متحف سان لوران في مراكش: ما الذي يريد أن يقوله هذا المتحف؟



هذه المدينة الضخمة، الضخمة أفقياً، لا تحتوي سوى على مسرح واحد: المسرح الملكي.



في مراكش حدائق كثيرة. الخضرة تمتزج كثيراً بحمرة الحيطان. صدام ألوان جميل يقترحه المغرب خصوصاً في مناطق السياحة. الحدائق هي الفضاء الأنسب لنتأكّد من مقولة "حضارة الماء".



توجد جولتان سياحيتان بالباص في مراكش؛ الأولى تخاطب السائح الذي يجذبه التاريخ، والثانية ذلك الذي تروقه الطبيعة. إلى جانب معالم مثل قصر الباهية وجامع الكتبية وبعض الأبواب، بات النص في السماعة المرافقة للجولة يدلّك أيضاً على "منارة مول".



عمود الاتصالات متنكر في شكل نخلة بلاستيكية.



يعمل النص الذي تقترحه الجولة السياحية بلغات عدة على اختلاق رغبات كثيرة: جولة فوق جمل يتهادى داخل واحة. السير بحُريّة في أزقة المدينة العتيقة. الصعود أعلى قصر البديع ومشاهدة مراكش من فوق. إشارة كذلك إلى لطف أهل المدينة وقيم الضيافة لديهم، مع تحذير: لكن احترموا العادات والتقاليد.



المباني الحديثة: محاكاة بالألوان لفلسفة معمارية تقومُ بمحاصرتها وخنقها.



نهاية الخط: هل يكفي الوقت الذي تبقى لي في مراكش لإشباع الرغبات التي استحدثتها الجولة السياحية؟



القصبة وجهتي القادمة. أسأل مسيّر الجولة السياحية عن أقصر طريق. نشتبك في حديث قصير عن آثار المرابطين والموحّدين والسعديين. يبدو أن هناك من يسمعنا.



أترك نفسي لأزقة المدينة العتيقة. لا أسير مع الخطوط المرسومة. أبتعد عن الأسواق. هناك بالتأكيد ما هو أبعد من المعروض للسيّاح الأوروبيين.



هل أهل مراكش سعداء؟ أتساءل.



أنت تونسي؟ هكذا سألني رجل بشوش، أسمر في الخمسين من عمره يرتدي جلابة وحذاء رياضياً. يستعرض بسرعة أسماء المعالم التاريخية. هل تريد الذهاب إلى القصبة، ساحة جامع الفنا، سبع رجال، قبور السعديين؟ مراكش متاهة كبيرة ولكن خارطتها على كفّ يدي. يتكلم الرجل بلطف. ما رأيك في أن أحدّثك عن جميع هذه المعالم؟ لست دليلاً سياحياً، ولكني خبير بها أكثر من أي دليل سياحي.



من أروع الصور التي أنتجها المغرب صورة أحواض الصباغة. خصوصاً صورة الأحواض في فاس. يعرف "الدليل" ذلك، فيقترح أن أرى مصبغة مراكش. وجدتُ كل الألوان مطفأة. الرائحة كريهة. حالة مزرية يشتغل فيها العمّال. كل ذلك كان أيضاً في مصبغة فاس. سقطت البطاقة البريدية في أحد الأحواض.



سرعان ما تتوقف الجولة في زاوية لا أذكر اسمها. حدث ذلك حين ظهر شرطي على دراجة نارية، وسألني "أنت سائح؟". أجيب "أنا تونسي". يضحك ويخبرني أنه لا يمكنني متابعة السير مع "الدليل"، لأنه غير مرخّص له. يقول عنه: هو رجل لطيف، مثل المراكشيين جميعاً، لكنه لا يعرف شيئاً عن الأماكن التي يذهب إليها. يركب "الدليل" برشاقة خلف الشرطي، وكأنه يفعل ذلك يومياً.



أكمل الجولة بمفردي فأجد نفسي بسرعة قد وصلت أحد الأبواب. تقولي لي إحدى اللافتات إنه باب دكالة. بجانبه سوق كتب قديمة يسحبني داخله.



هنا صمت ثقيل جداً في قصر البديع. الصخر جاثم تحت الشمس والفراغات واسعة جداً.



قصر البديع: شاهد على الهدم أكثر من أي شيء آخر.



يتيح القصر صوراً جميلة: تشكيلات هندسية بالظلال المائلة.



قلّما تدخل مسجداً تاريخياً، ولا يعترضك من يعرض البركات. مسح على الكتف ورشات بماء الزهر. البركة بعشرة دراهم.



هذه المدينة لم تعد تشبه المرابطين.