مراكز احتجاز تتاجر بالمهاجرين في ليبيا

مراكز احتجاز تتاجر بالمهاجرين في ليبيا

21 ديسمبر 2018
الصورة
مهاجرون في نقطة تجمع مؤقتة (محمود تركية/ فرانس برس)
+ الخط -

تنتشر عشرات مراكز احتجاز المهاجرين غير الشرعيين في غرب ليبيا وجنوبها، وقد كُتب على جدران بعضها ما يدل على وجود مؤسسات حكومية، مثل وزارة العدل وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، لكنّها في الواقع تحت سيطرة مليشيات. حتى المراكز تلك الخاضعة إلى رقابة مؤسسات الدولة، فإنّها تصدر تقاريرها بحسب رغبات أمراء المليشيات.

"قليلة هي المراكز التي تخضع إلى سلطة الدولة بشكل مباشر، وتحديداً في العاصمة طرابلس. فهي بمعظمها تتبع الدولة اسمياً، إلا أنّه ليس لأجهزة الدولة قدرة على السيطرة عليها وإدارتها من قبل عناصرها. بالتالي، فإنّ المهاجرين غير الشرعيين عرضة للتهريب والاتجار بهم". هكذا يبدأ علي الزبيدي، عضو في الغرفة الأمنية المشتركة في القربولي (إحدى أشهر مناطق تهريب البشر) حديثه لـ"العربي الجديد". يضيف أنّ "الجهات الحكومية لا تملك إحصاءات دقيقة حول عدد مراكز الاحتجاز، ولا تستطيع محاسبة مليشيات وضعت شعارات حكومية في مراكز المهاجرين، وإن كانت تتاجر بهم". ويشير إلى أنّ "وزارة الداخلية تسعى بجد إلى ضمّ عدد من مراكز الاحتجاز إلى سيطرتها الفعلية في طرابلس، لكنّ خططها في الوقت نفسه تحتاج إلى مساعدة أممية سوف تتطلب وقتاً طويلاً لتنفيذها بصورة كاملة".

في القربولي مركزان للاحتجاز، وفي غريان بالجبل الغربي ثلاثة مراكز، بالإضافة إلى اثنَين في مصراته شرق طرابلس. أمّا في الزاوية وصبراته وزوارة غرب طرابلس، فثمّة أكثر من سبعة مراكز. وباستثناء تلك الموجودة في مصراته، يمكن لزعماء المليشيات المشرفين على المراكز الأخرى المتاجرة بالمهاجرين، خصوصاً أنّهم يملكون علاقات مع تجار البشر والمهرّبين.

تفيد معلومات حصلت عليها "العربي الجديد" بأنّ من بين خمسة أشخاص أعلن مجلس الأمن الدولي، في يونيو/حزيران الماضي، إدراج أسمائهم على لائحة عقوباته بتهمة الاتجار بالبشر، يوجد اثنان ما زالا موظفَين رسميَّين في الدولة، وهما عبد الرحمن ميلاد التابع للقوات البحرية الليبية، ومحمد كشلاف الشهير بـ"قصب" وهو ضابط في جهاز الأمن المركزي، وكلاهما يعيشان في مدينة الزاوية. وسبق أن اعترف ميلاد، في مقابلة مع وكالة "رويترز"، بتعرّض مهاجرين للضرب والتعذيب، على الرغم من سَوقه بعض التبريرات التي أكدتها رئاسة أركان البحرية الليبية. لكنّ مجلس الأمن الدولي يؤكد أنّ ميلاد يستخدم إحدى السفن مركزا لاحتجاز المهاجرين، حيث يتعرّضون للتعذيب، وهو متورط في عمليات اتجار بالبشر.




من جهتها، تشير مصادر مطّلعة لـ"العربي الجديد" إلى أنّ "أحد أمراء مليشيات ثوار طرابلس، ويُدعى مهند دبوب، رفض التعاون مع جهاز مكافحة الهجرة الذي يعمل بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بهدف إجلاء المهاجرين الموجودين في مراكز الاحتجاز وتأمين عودتهم إلى بلدانهم. وبعد مماطلة، تبيّن أنّ المركز الذي يشرف عليه خالٍ من المهاجرين، على الرغم من أنّ التقارير تشير إلى أنّه يشرف على احتجاز 127 مهاجراً أفريقياً، الأمر الذي يدلّ على أنه قد يكون باعهم إلى عصابات تهريب". تضيف المصادر نفسها أنّه تبيّن تورّط مسؤولين في مراكز احتجاز في اختفاء 496 مهاجراً، أثناء هربهم من مراكز الاحتجاز في مناطق عدّة في طرابلس، بعد اقتراب العمليات القتالية من تلك المراكز، خلال الأحداث التي شهدتها طرابلس في سبتمبر/أيلول الماضي. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها السلطات الليبية بالتعاون مع البعثة الأممية لإعادة الهاربين ونقلهم إلى أماكن أخرى أكثر أماناً، فإنّ وحدات من المليشيات المتناحرة راحت تعتقل مهاجرين منهم وتنقلهم إلى مناطق معينة حيث يُباعون إلى عصابات التهريب. وتمّ التعتيم على الأمر من خلال تزوير أسماء وعدد المهاجرين الموجودين في مركز احتجاز في منطقة عين زارة في طرابلس.

وقد اتهمت الأمم المتحدة، في بعض تقاريرها، بشكل مباشر، مليشيات متنفذة في طرابلس مقرّبة من حكومة الوفاق، بالتورّط في المتاجرة بالبشر. وفي تقرير أصدرته المنظمة في فبراير/شباط الماضي، أكّدت، من خلال شهادات لمهاجرين من إريتريا اعتقلوا في طرابلس على يد عناصر من قوة الردع الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، أنّ القوة سلّمتهم مجدداً إلى المهرّبين في مقابل المال. وأوضحت أنّ كل مهاجر دفع 300 دولار أميركي لقوة الردع، ونقلوا إلى مدينة أخرى ثمّ إلى قوارب متجهة إلى أوروبا رغماً عن إرادتهم. كذلك أشارت المنظمة في تقريرها إلى إمكانية استخدام منشآت الدولة وأموالها من قبل الجماعات المسلحة والمهرّبين لتحسين سيطرتهم على طرقات الهجرة.

ويبدو أنّ لتلك المخاوف ما يبرّرها. ويفيد مصدر أمني من سبها (جنوب شرق)، بأنّ "مصطفى الخطري، المسؤول عن مركز الاحتجاز في سبها، الذي يتخذ من مركز الأمن الداخلي مقراً له ويتبع رسمياً وزارة الداخلية، على علاقة خاصة وصداقة بأحمد العمو، المدرج اسمه على قوائم العقوبات الأممية، كواحد من أشهر مهرّبي البشر". ويؤكد المصدر الأمني لـ"العربي الجديد" أنّ "الخطري نفسه متورّط في تهريب البشر"، مشيراً إلى أنّ "وزارة الداخلية تعلم أنّه قدّم دعماً عسكرياً ومساندة للعمو من أجل العودة إلى مناطق نشاطه في صبراته، منتصف الشهر الماضي".




تجدر الإشارة إلى أنّ زعماء عصابات تهريب حاولوا اختراق أجهزة الدولة، من خلال انتحال صفات موظفي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وفي سبتمبر/أيلول الماضي، أعربت المفوضية عن استيائها من انتحال مهرّبين وتجّار تلك الصفة في ليبيا، مؤكدة أنّها رصدت هؤلاء المجرمين في نقاط إنزال التهريب ومحاوره، وأنّهم استخدموا سترات ومواد تحمل شعارات مماثلة للمفوضية. ولفتت في تقرير إلى أنّها استقت معلوماتها من اللاجئين الذين أفادوا بأنّهم بيعوا إلى تجّار، وعذبوا حتى بعد اعتراضهم في البحر. وأكدت المفوضية في تقريرها تورّط مسؤولين ليبيين، مشيرة إلى أنّ هذه التجاوزات تحصل في نقاط نقل المهاجرين إلى مراكز الاحتجاز الرسمية، وهي نقاط يشرف عليها عادة ويديرها مسؤولون من جهاز مكافحة الهجرة.