مرآة الأنام في دار السلام (8)

27 يوليو 2020

لم تطل حيرة المعتز، أسعفه الطبري بإجابة مناسبة عن تساؤله، وفسّر له بعض مكنونات صدر المعتصم. تبدت نوايا المعتصم إزاء التُّرك، لكنها جاءت بعدما بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين؛ فلم تفد إسعافات أولية مارسها المعتصم وخلصاؤه، استلزم الأمر دخول غرفة العمليات الكبرى، ولم ينجح الخلصاء في محاصرة سرطانٍ توغل في مفاصل الخلافة.

أمسك الطبري بتلفزيونٍ سحري، ووضعه بين يدي المعتز، أراد له أن يشاهد الأحداث بنفسه، وقبض المعتز على الجهاز العجيب، وأداره بحذرٍ فنقله إلى جلسة خاصة، جلسة جمعت المعتصم وهو يجلس في صدر المجلس بمدينة السلام، وعن يمينه محافظ بغداد أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم (كان محافظ المدينة في عهد المأمون، ولحسن سيرته ثبَّته المعتصم في مكانه، وهو من أصولٍ فارسية)، واحتاج المعتز إلى الإنصات جيدًا ليحكم على حكم المعتصم.

صدرت من التلفزيون السحري إشارة تفيد بدء الكلام؛ فأرهف المعتز سمعه وبصره ليجمع أكبر قدرٍ ممكن من المعلومات، وسمع المعتصم يتألم وهو يخاطب محافظ بغداد، ويبثه أشجانه ولا بد للمصدور من أن ينفث. قال المعتصم لأبي الحسين: "نظرت إلى أخي المأمون، وقد اصطنع أربعةً أنجبوا، وأنا اصطنعت أربعةً لم يُفلح أحد منهم! وتنهد المعتصم تنهيدة طويلة وأطرق مليًّا". أدرك المعتز في إشارةٍ أوليِّة أن المعتصم لم يرضَ عن التُّرك، وربما عضَّ على أصابع الندم، لكن لا سبيل للتراجع.

لم يشأ المعتز أن يتمادى في استنتاجاته، وترك مجالًا أرحب للمتابعة والتروي، وإذا بمحافظ بغداد يحرك شفتيه، ويخاطب المعتصم "ومن الذين اصطنعهم أخوك؟"، ليرد المعتصم ردًا على نديمه "طاهر بن الحسين؛ فقد رأيت وسمعت، وعبد الله بن طاهر؛ فهو الرجل الذي لم يُرَ مثله، وأنت فأنت -والله- الذي لا يعتاض السلطان منك أبدًا، وأخوك محمد بن إبراهيم، وأين مثل محمد؟"، تجرّع المعتصم شيئًا من كأسه، ومزق شفتيه بين أسنانه، ثم مد عنقه كأنما خنقته عبرة.

سار الواثق على درب أبيه، وزادت مكانة الترك ورسخّوا وجودهم، ولم يفارقوا سامراء جريًا على عادتهم؛ ليظلوا في مطبخ الأحداث، وليضمنوا لأنفسهم أكبر قطعة من "كيكة" الخلافة

لم ينطق محافظ بغداد تاركًا المشهد للمعتصم، ومكتفيًّا بالاستماع والتوثيق التاريخي، ولربما أضمر في نفسه طربًا لما سمعه الآن، إذ يحمل الحديث في مطاويه إعلاءً لمكانة الفرس، تلك المكانة التي اغتصبها التُّرك ومرغوها في الوحل، وكل ذلك تحت سمع المعتصم وبصره، لكن يبدو أنه مغلوب على أمره، لا يملك حيلةً ولا يهتدي -للقضاء على نفوذهم- سبيلًا، وقد تأتي قوادم الأيام بما يسهِّل التخلص منهم، ويعيد للفرس سطوتهم، ولن يفرطوا في هذا الحلم بأيّ حال.

وتنحنح المعتصم وهو يواصل "وأما أنا فاصطنعت الأفشين؛ فقد رأيت ما صار من أمره، وأشناس ففشل أي فشل، وإيتاخ فلا شيء، ووصيف فلا مغنى فيه". نسف المعتصم للتو جبهة التُّرك، لم يعطِ أحدهم ولو تقدير (مقبول)، كلهم في عينه (ض. ج: ضعيف جدًا)، لا يستأهلون المكانة التي يحتلونها بقوة فرض الأمر الواقع. في خضم تأسُّف المعتصم، رمى نديمه في جوفه كرة نار جديدة، إذ قال له وإن انتقى كلماته بعناية "يا أمير المؤمنين! نظر أخوك إلى الأصول فأنجبت فروعًا، واستعمل أمير المؤمنين فروعًا فلم تُنجب إذ لا أصول لها".

يا له من جوابٍ يجمع تقريعًا وتوبيخًا مبطّنين، ليرد المعتصم وهو يتميَّز من الغيظ "يا إسحاق! لمُقاساة ما مرَّ بي في طول هذه المدة أسهل عليَّ من هذا الجواب". كثيرًا ما تكون الحقيقة مؤلمة، وقد نهرب منها ونتلمّس أسبابًا زائفة، لا نريد لأنفسنا أن يُخدش حياؤها، أو بالأحرى زهوها وغرورها، وكأننا خُلقنا معصومين من كل أخطاء من سبقونا ومن تبعونا على السواء! تلمّظ المعتصم ولم يحر جوابًا، وترك المعتز الصندوق الصغير الشبيه بالبيانولا، وقد زفر زفرةً عظيمة تخلص خلالها من كابوس يراوده.

يعد الواثق آخر الخلفاء الذين جلسوا على العرش جريًا على سنة العباسيين، وحكم 5 سنوات (227 – 232هـ)

 

وحتى عهد المعتصم، كان جيش الدولة العباسية يتألف من عنصرين؛ أولهما الفرس وامتلك عددًا من الامتيازات مقارنة بنظيره، وثانيهما العرب؛ فاستحدث المعتصم الاستكثار من الترك، وتوفي المعتصم في سامراء سنة 227هـ، وأوكل الخلافة إلى ابنه هارون الصغير/الثاني، وهو هارون بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، وتلقَّب هارون بن المعتصم بالواثق بالله.

وسار الواثق على درب أبيه، وزادت مكانة الترك ورسخّوا وجودهم، ولم يفارقوا سامراء جريًا على عادتهم؛ ليظلوا في مطبخ الأحداث، وليضمنوا لأنفسهم أكبر قطعة من "كيكة" الخلافة؛ فلم يذهبوا إلى ولاية خارج أسوار سامراء، بل كانوا ينيبون عنهم عمالًا يثقون فيهم، فقد أناب أشناس عنه في أعمال غرب الدولة محمد بن إبراهيم بن الأغلب، وأوكل إيتاخ إلى عنبسة بن إسحاق الضبي ولاية خراسان.

يعد الواثق آخر الخلفاء الذين جلسوا على العرش جريًا على سنة العباسيين، وحكم 5 سنوات (227 – 232هـ)، وتعد فترته انتقالية بين عهدين؛ الأول عهد تمكُّن الأتراك مع بقاء هيبة الخليفة، والثاني عهد تمكن الترك مع زوال هيبة الخليفة وتردي مكانته، وقد بدأ مع خلافة المتوكل. لم يكن المتوكل ضعيف الشخصية، لكنه كان ضعيف العصبية؛ فلم يجد من يتعصب له من العرب والفرس في وجه التُّرك، واستمال الشيعة ليوازنوا الكفة، ولم يخذلوه إلا بعدما أيقنوا أنه مُطاحٌ به لا محالة.

وكاد التُّرك يعصفوا به أكثر من مرة، منها أنه شرب يومًا وعربد وسبّ إيتاخ، فبادر إيتاخ بقتله لولا أن حالت الأقدار، فلما أصبح المتوكل وفاق من سكرته، أُخبِر بما جرى وهو غائبٌ عن وعيه؛ فاعتذر إلى إيتاخ واسترضاه بقوله "أنت أبي وربيتني"، لكنه أضمر التخلص من إيتاخ، كان ذلك قبل عام 235هـ، إذ نفذ ما قرره وقضى على إيتاخ خارج أسوار سامراء.

ولكن المتوكل الذي مشى على الأشواك طويلًا، ترجَّل بعدما أثقلت الحوادث كاهله، وغدر به أقرب الناس إليه، ابن خالته موسى بن بغا الكبير، وبغا الصغير ومعهم حارس المتوكل واسمه باغر، وهو الذي باشر قتل المتوكل بيده.

في اللقاءات المقبلة، نواصل الإبحار مع المعتز، ونفهم عنه ومنه أمورًا قد نفيد منها في قابل الأيام.

دلالات