مرآة الأنام في دار السلام (7)

26 يوليو 2020

أطال المعتز إطراقه متذكرًا أن المأمون تخلَّص من الأمين، ثم عهِد بالخلافة من بعده إلى أخيهما المعتصم، لم يعطِ ولاية العهد لغيره، ما قلّل من تحزُّب الناس وتكهّنهم بالخليفة الجديد، ومع ذلك ترك فتنةً أشد على البلاد والعباد من تعدد ولاة العهد؛ محنة خلق القرآن.

استنتج أن المأمون خالف من سبقوه مرتين، الأولى في اكتفائه بولي عهدٍ واحد، والثانية استحداثه فتنة عصفت بعددٍ من أهل السُّنة، وألقت بهم في غيابات السجون، وتحيَّز فيها للشيعة والموالي على حساب العرب، ووافق أباه الرشيد في مسائل على رأسها عدم الاطمئنان (المطلق) للفرس، وإن كانوا أخواله وأقوى كتلة حزبية تناصره.

وعمل المأمون -رويدًا رويدًا- على سحب الثقة من الفرس، ولأنه قتل أخاه محمد الأمين (العربي النسب أمًا وأبًا)؛ فقد توجَّس خيفة من العرب، ولا بد من إيجاد حلٍ وسط. هنا، أطل على المعتز سؤالٌ له قدرٌ من الوجاهة: هل جامل المأمون الفرسَ على حساب غيرهم؟ فأجابه صوت لم يعلم مصدره: بالطبع نعم!

وواصل الصوت ذاته: للأمانة، لم يركن إليهم المأمون ركونًا تامًا؛ فعمل بمبدأ "حرّص ولا تخوّن"، ولما رأى تغوُّل الحسن بن سهل على صلاحيات الخلافة، وكيف تعدى الخطوط الحمراء غير مرة، قرر أن يؤدب آل سهل، ونكبهم مستحضرًا تنكيل الرشيد بالبرامكة، ثم ارتأى أن يتيح الفرصة للاعبٍ جديد على الساحة، لاعب استقدمه في موسم الانتقالات الشتوية من بلاد ما وراء النهر (آسيا الوسطى/الداخلية).

لم تخب وساوس المعتصم، ودُبِّرت مكيدة للإطاحة به وقتله يوم عمورية (سنة 223هـ)، وزاد الأمر تعقيدًا أن الفرس استمالوا القائد العربي عجيف بن عنبسة، وفشل الانقلاب، وحُبِس العباس وإخوته حتى ماتوا في السجن عطشى

التمعت عينا المعتز وهو يسمع، لا يعنيه أن يتحرى ملابسات الظهور المفاجئ، المهم أن هذا الصوت يقول شيئًا يروقه، ويزيل عن أبيه المتوكل حرجًا كبيرًا، وأرهف له سمعه وهو يقول: "لم يكن هذا اللاعب وليد اللحظة في الذهن العربي، إنما أول من قدمه للساحة القائد الأموي قتيبة بن مسلم الباهلي (49 - 96هـ)، الذي بسط نفوذ الأمويين على الشرق، وفتح بلاد ما وراء النهر وصولًا إلى الصين، وهناك تعرّف إلى قاطني بُخارى وسمرقند وفرغانة وأشروسنة (أوزباكستان)، وكانت تسمى -يومها- "بلاد تُركستان"، وسُمّي أهلها بـ"التُّرك".

صحيح أن المأمون حاول أن ينقل الخلافة إلى مرو (خراسان)، لكن ذلك كان بُعيد مقتل أخيه الأمين، وتخوّفه من نِقمة العرب، وسرعان ما عدل عن رأيه، لمَّا رأى اضطراب الأمر واحتمال خروجه من يده، لا سيَّما وأن أهل بغداد نصَّبوا عمه إبراهيم بن المهدي خليفة؛ تأديبًا للمأمون وتقريعًا لسحبه البساط من دار السلام إلى مرو.

تشبّعت نفس المأمون بمذهب المتكلمين، وتتلمذ على يد أبي الهذيل العلاف، وتولى لواء محنة خلق القرآن، وليأمن غائلة العرب والفرس على السواء، استعمل التُّرك -الذين أرسلهم ولاة البلاد الشرقية- ولو ضمن نطاقٍ ضيق، وألحق فتيانهم بفرق الجيش، حتى مات في طرسوس سنة 218هـ.

اعتلى المعتصم العرش، وأمه من الصغد (لينين آباد خلال الحكم السوفييتي، والواقعة شمال غربي طاجيكستان)؛ فاستقدم الترك، ووفق رواية "مروج الذهب" يقول المسعودي إنه "اشتراهم وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، وأمعن في شرائهم حتى بلغت عدتهم ثمانية عشر ألفًا"، وخلال حكمه وصل مجموع الترك إلى 70 ألفًا.

لم يأتِ ذلك من فراغ، إذ إن العرب في مدينة السلام قد ضاقوا بالترك ذرعًا، وثاروا في وجوههم غير مرة، وحذروا المعتصم من الدعاء عليه في المساجد؛ فخرج بجنده من الترك بعدما ابتنى لهم سامراء، ومنعهم من الاختلاط بغيرهم أو الزواج من سواهم، وأحضر لهم نساء من بلادهم؛ فتكوّنت عصبيةٌ جديدة تناطح الفرس والعرب في بلاط العباسيين.

وكره العرب الوافدين الجدد مرتين، الأولى عندما عاثوا في دار السلام فسادًا، والثانية أنهم لمَّا خرجوا من بغداد صاحبَهم المعتصم، ما أدى إلى انتقال الصناع والحرفيين إليها، تاركين العاصمة سعيًا وراء الكسب، وظلت سامراء عاصمة للعباسيين 50 سنة، ثم عاد الأمر إلى بغداد.

ولم يقدِّم المعتصم التُّرك على غيرهم عفوًا، إنما استقرأ واقع من سبقوه، وتوصَّل إلى نتيجةٍ استوجبت ضبط الكفة التي مالت كثيرًا لصالح الفرس، وحاول الاستعانة بالعرب ليؤدوا المهمة، إلا أنهم كانوا قد غسلوا أيديهم من العباسيين، ورأوا أن التدبير والتصريف موكَّلٌ للفرس وحدهم. ليس ذلك فحسب، بل إن الفرس حاولوا أخذ البيعة للعباس بن المأمون، ما أوغر صدر المعتصم على الفرس، وقرأ في وجه ابن أخيه وبطانته مكرًا!

لمَّا نادت الفرس بخلافة العباس، استدعاه المعتصم وأخذ منه البيعة في حضور رؤوسهم، ونظر إليهم العباس قائلًا "ما هذا الحب البارد! قد بايعت عمي وسلَّمت الخلافة إليه"، انتظر المعتصم من العباس أن يوبِّخهم لمطالبتهم بالخلافة، لكنه وبَّخهم لحبهم البارد، ربما في ذلك تقريعٌ لهم لفشلهم في انتزاع الأمر، وقد يكيد له العباس يومًا، ومن ثم فلا أمان للفرس.

لم تخب وساوس المعتصم، ودُبِّرت مكيدة للإطاحة به وقتله يوم عمورية (سنة 223هـ)، وزاد الأمر تعقيدًا أن الفرس استمالوا القائد العربي عجيف بن عنبسة، وفشل الانقلاب، وحُبِس العباس وإخوته حتى ماتوا في السجن عطشى، وتخلص من ابن عنبسة، وكتب إلى واليه على مصر أن يُسقط العرب من ديوان الجيش وأن يقطع أُعطياتهم؛ فانقرضت دولة العرب من مصر، وصار جندها من الموالي من عهد المعتصم وحتى ولاية أحمد بن طولون.

تعلَّم المعتصم عددًا من دروس الخلافة، وإن لم يطبِّق منها إلا القليل، ومن ذلك أنه كشَّر عن نابه لحيدر بن كاوس الأشروسني، والمعروف بالأفشين، وكان قد بلغ شأوًا ضارع البرامكة في عهد الرشيد، وآل سهل في عهد المأمون، وانكشف أمره بالصدفة البحتة، وبان للناس مخطط رسمه للإطاحة بالعباسيين؛ فلم يشفع له أن أخمد فتنة بابك الخرمي، إذ إنه تخلص من الخرمي لحاجة في نفسه وليس لخدمة العباسيين.

واستوقف المعتز سؤال: ألم ينتبه المعتصم لخطر التُّرك؟ ألم يقرأ في صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم طمعًا في ملكنا واستخفافًا بنا؟ وللإجابة عن هذا السؤال كان عليه أن يبحث ويستخبر، وعلينا أن نصبر حتى يوافينا بالجواب في اللقاء المقبل.

دلالات