مرآة الأنام في دار السلام (6)

23 يوليو 2020

عاودت المعتز هلاوس الأيام الخوالي، قيل أصابه "تأثير مانديلا" فعزله عن الواقع، وقيل إنه يتسلى بالذكريات، في حين قال أشدهم ميلًا وتعصُّبًا له إنه يتريث في تقديم إحاطة وافية.

أدمن عقد المقارنات محاولًا تفسير تصرفات أبيه وأجداده، وخلص إلى نتيجة اطمأن إليها، مفادها أن أباه، وإن وأد محنة خلق القرآن، إلا أنه فعلها لدواعٍ سياسية ومساعٍ غير معلنة، كشفت سُجُف الغيب طرفًا منها.

كانت للمتوكل مكانةٌ خاصة في نفس المعتز، مثلما كانت للمعتز مكانته المتفردة عند أبيه، وقد ميَّزه عن أخويه، وبواعث هذا التمييز -وإن عرضنا لبعضها سلفًا- سنقف على جوانب أخرى منها، هذه المنقبة دفعت المعتز للإبحار في الماضي، ومحاولة تقديم صورة منصفة لوالده على نحوٍ خاص، وللبيت المتوكلي عمومًا، وليُطلِعنا على حيثيات استنتاجه، أخذنا المعتز في رحلة طويلة، إلى جده عبد الله المأمون بن هارون الرشيد.

تمتم المعتز: قتل أخي المنتصر والدي، صحيحٌ أنه لم يقتله بيده، وربما لم يأمر بذلك صراحةً، لكن مخالفته أمر أبي بالابتعاد عن التُّرك فتحت مجالًا لتحالفهم ضد أبي، ثم نصَّبوا المنتصر خليفة، وأتوا بي وبولي العهد الثالث إبراهيم المؤيد وبتحريضٍ منهم خلعنا المنتصر عن ولاية العهد. صمت المعتز مستحضرًا المشهد والمنتصر يخاطبهما "أترياني خلعتكما طمعًا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له؟ والله ما طمعت في ذلك ساعةً قط..".

واغرورقت عينا المعتز بالدموع، وهو يطالع أخاه يقول "وإذا لم يكن في ذلك طمعٌ؛ فوالله لأن يليها بنو أبي أحبُّ إليّ من أن يليها بنو عمي، ولكن هؤلاء (وأشار إلى التُّرك الحاضرين مجلسه) ألحوا عليَّ في خلعكما؛ فخِفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة فيأتي عليكما". آهٍ يا أخي! لولا أنك شاركت في قتل أبيك، ما تجرَّأ التُّركُ عليك.. قالها المعتز وكأنما يخدع نفسه، وتساءل: هل كان المنتصر صادقًا حين خلعنا؟

دون تروٍ، أجاب نفسه بكل تأكيدٍ صدق، إنه لم يخدعنا، كان خطأ أن انقاد للترك مُغمض العينين، وليس بصحيحٍ أن أبي أول من قُتل من الخلفاء، راجعتُ نفسي وتأكدت أن جدنا محمد الأمين قُتل على يد أخيه عبد الله المأمون، لكنها ميتة مغايرة، مات الأمين وهو يقاتل دفاعا عن عرشه، واجتزّ عبد الله بن طاهر رأسه، أما أبي فقُتل غيلة وعلى يد أقرب الأقربين إليه، وصدق القائل "من مأمنه يؤتى الحذِر".

وسأل نفسه مجددًا: وما الدليل على صدق المنتصر؟ وأسعفته الذاكرة بجواب لا يحتمل النقض، وإن كانت فيه دلائل على رعونة المنتصر وعدم حكمته؛ فقد نقلت عيون المعتز في قصر الخلافة أن أخاه ندم ندمًا شديدًا على مقتل أبيه، وأطلق على التُّرك "قتلة الخلفاء"، وعقد عزمه على قتلهم وتشريدهم والتنكيل ببقاياهم، لم يكتفِ بذلك وإنما جاهر بالأمر وقال لجلسائه غير مرةٍ "قتلني الله إن لم أقتلهم". بادر المنتصر بالإجراءات التنفيذية؛ فأخرج وصيف التركي إلى طرسوس، وأرسل عددًا منهم في مهمات بعيدة؛ ليتخلص منهم تدريجيًا.

توثَّق الترك من صدق نية المنتصر؛ فعاجلوه بالقتل معتمدين على طبيبه الطيفوري، يقول المسعودي "إن التُّرك أوكلوا إلى الطيفوري قتل المنتصر؛ فغمس مِشرطه في السم، وحجمه به فمات بعد ستة أشهرٍ فقط من جلوسه على العرش". يا لها من ستة أشهر! قصمت ظهر بني العباس، وقسمت خلافتهم نصفين، الأول ما قبل المتوكل، والمسمى بالعصر العباسي الأول، فيه مجدهم وعزهم، والثاني ما بعد المتوكل، وشهدت دار السلام أحداثًا جِسامًا، وتردى فيه وضع الخلفاء وأصبحوا لُعبة بأيدي وأقدام التُّرك.

كانت للمتوكل مكانةٌ خاصة في نفس المعتز، مثلما كانت للمعتز مكانته المتفردة عند أبيه، وقد ميَّزه عن أخويه

 

أطلق بعض المؤرخين على حقبة المتوكل وما بعدها "عصر نفوذ التُّرك"، وتشمل خلافة المتوكل (232 – 247هـ)، والمنتصر (247 – 248هـ)، والمستعين (248 – 252هـ)، والمعتز (252 – 255هـ)، والمهتدي (255 – 256هـ)، وقد غلب عليها نفوذ التُّرك، لكن ثلاثة خلفاء استعادوا شيئًا من بريق الزمن الذهبي للعباسيين هم المعتمد (256 – 279هـ)، والمعتضد (279 – 289هـ)، والمكتفي (289 – 295هـ)، ثم عاود التُّرك إحكام قبضتهم إبان حكم المقتدر (322 – 329هـ)، والقاهر (320 – 322هـ)، والراضي (322 – 329هـ)، وفي عهده ظهر منصب أمير الأمراء، والمتقي (329 – 333هـ)، والمستكفي (333 – 334هـ).

وحدّث المعتز نفسه: لم يُفد المنتصر شيئًا من حكمة أبي، وقد عمد إلى التنكيل بالتُّرك دون أن يصرِّح أو يُخبِر أحدًا، وفي المثل الذي سيُعرف بعد مئات السنين من خلافتنا "اللي بيعمل مبيقولش"، وقد صدق هذا المثل فلم ينفِّذ المنتصر تهديده للتّرك، بل أتاح لهم أن يتغدوه قبل أن يتعشى بهم. لمَّا أراد جدنا المنصور أن يتخلص من أبي مسلم الخراساني لم يُطلع أحدًا على سرّه إلى أن نفذ المهمة بنجاح، وعلى هذه الشاكلة كان أبي، بل إن المنتصر لم يتعلم من خطأ أبي الأخير!

لقد حدد أبي يوم الخميس 5 شوال 247هـ، وقرر أن يفتك بالمنتصر وبغا الصغير ووصيف، لكن تفاصيل العملية تسربت إليهم، فعاجلوه بالقتل وقبل الموعد الذي ضربه لهم بساعات معدودات. اعتمد مخططهم على اشتراك موسى بن بغا الكبير (ابن خالة المتوكل) فيه، وكان أبي (المتوكل) قد ولاه الحجابة نيابة عن أبيه (بغا الكبير)، وكان موسى واليًا على الثغور الشامية منذ عام 244هـ، وثقة المتوكل به مطلقة، لكنه غدر بأبي وأدخل القتلة إلى القصر، وساهم معهم في اغتياله يوم الأربعاء 4 شوال 247هـ، وبويع المنتصر بالخلافة.

بكى المعتز حتى انتحب، ومع نشيجه قال: قاتلك الله يا ابن خاقان! لقد ألقت امرأة من الترك رقعةً تخبر أبي بفحوى مؤامرة التّرك ضده، لكنك يا وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان، أنت وعمك الفتح بن خاقان استهنتما بمضمونها، بل ووثقتما -ولا أدري من أين لكما بهذه الثقة- أن الأمر لا يقدر عليه أحدٌ ولا يجسُر، وبقتلهم أبي، سيطروا على مصائر الخلفاء وشؤون البلاد ما بين عامي 247 – 256هـ.

نواصل التفتيش في ذاكرة المعتز، ونوسّع دائرة البحث في بواعث قضائه على محنة خلق القرآن، وأشياءَ أُخر في اللقاءات المقبلة.

دلالات