مرآة الأنام في دار السلام (2)

14 يوليو 2020

أدرك الخليفة العباسي العاشر (المتوكل)، أنه مجرد "ترانزيت"، وقرر أن يغير الواقع وبطريقة جذرية؛ فنقل سلسلة الخلافة من العرض إلى الطول! أقبلت إليه الخلافة بعد موت أخيه الواثق، لكنه اختار لأبنائه الثلاثة أن يكونوا أولياء عهده، ومن يدري لعل ثلاثتهم يجلس على العرش، وقد سبقه بذلك عبد الملك بن مروان الأموي (26 – 86هـ)، والذي جلس أربعةٌ من أبنائه على العرش.

فعَّل المتوكل مبدأ "اضرب المربوط يخاف السايب"، وإهانة عِلية القوم تزلزل قلوب العوام، ويدركون أنهم أشد هوانًا على السلطان، وضرب المتوكل عصفورين بحجر؛ فأخاف حزب أخيه الواثق، ورد اعتباره لنفسه شيئًا فشيئًا وبخطوات مدروسة ومقنّنة، وتعيّن عليه أن يتألف قلوب بطانة يضمن ولاءها.

بعد أربعين يومًا فقط من جلوسه على العرش، تخلص المتوكل من ابن الزيات (في السابع من صفر 233هـ)، وبطريقة لا يضاهيها إلا القتل بمنشارٍ في قنصلية ما، إذ سلَّط عليه وزيره وخصم ابن الزيات اللدود، ولم تسع الدنيا ابن أبي داود حين كُلِّف بالمهمة، ووضع ابن الزيات في التنور.

كثيرًا ما عاقب ابن الزيات النشطاء والمدونين الحقوقيين والمعارضين السياسيين برميهم في التنور، كانت وسيلته للإعدام والتصفية الجسدية، يُرمى أحدهم في تنور بداخله مسامير وكلاليب حادة تمزق اللحم، وجاء دوره ليجرِّب اختراعه ويذوق وبال أمره.

اقتلاع الضرس من دون مخدر مخاطرة صعبة، ومن ثم تمهَّل المتوكل عامين بالتمام ليقطف رأس إيتاخ؛ فالتركي القوي يجمع تلابيب الدولة، تفوق صلاحياته نفوذ إدغار هوفر، ويجمع في خزانته أسرارًا لا آخر لها. لم يهمل المتوكل ملفات الدولة العميقة، وقبل أن يطيح بالرأس حصر الأذرع والأتباع والمتنفذين في سامراء، وقلَّم أظفارهم وشتّت شملهم وقطع دابرهم، كل ذلك ليعزل إيتاخ ويقوِّض دائرة تأثيره وينفرد به.

وحانت لحظة التنفيذ، وللمرة الثانية يتصرف المتوكل بحذر وحكمة، لم يقتل إيتاخ في مركز ثقله ومحيط أتباعه، إنما تحيَّن الوقت المناسب بعيدًا عن أسوار سامراء، وضُربت عنق إيتاخ في بغداد، (مطلع 235هـ). تخلص المتوكل من مراكز القوى، لكن للجيش مطامع في السلطة، والانقلاب محتمل في أي وقت، والمسوغات لا حصر لها وإن كان على رأسها ضمان السلم والأمن العام، وحفظ مقدرات الخلافة العباسية والتأكد من الانتقال السلمي لكرسي الخلافة.

نظريًّا، بدّد المتوكل آمال المعارضة، وظهر للناس أن سنة 235هـ تحمل الخير لآل بيته، ولا أدل على ذلك من أنه نفذ خطته الجهنمية، لكنه لم يقنع بما قيل، وكان ينظر من زاوية أوسع، ويعمل لحسابه فريق عمل أدق توقعات من "مودي ووترز" الاقتصادية، ما جعله يحسب خطواته ويدقق الحسابات.

في ساعة أصيل، تأمل حاله مع البيعة وسنينها، وكيف أنه بايع سبعة من أبناء الخلفاء: منصور بن المهدي، العباس بن الهادي، أحمد بن الرشيد، عبد الله بن الأمين، موسى بن المأمون وإخوته، أحمد بن المعتصم وإخوته، ومحمد بن الواثق. وقف طويلًا عند الاسمين الأخيرين؛ فقد وصل إلى الخلافة لصغر سن ابن الواثق، والذي لم يعد الآن صغيرًا، وتعالت أصواتٌ تنادي بأحقيته في الخلافة، ما يثير مخاوف الخليفة الحذر المتوكل بن المعتصم.

وتضاعفت المخاوف حين طُرح اسم أخيه، الأمير أحمد بن المعتصم، لولاية العهد، ولا سيَّما أن هذا الأمير "كان جليلًا في نفسه، مقدَّمًا في قومه"، وله شعبية جارفة قد تسحب البساط وتستأثر بالخلافة. قلقٌ يكابده أصحاب الكراسي، تزعجهم شهرة الفاشونستات ومشاهير السوشال ميديا إذا زادت عن حدٍ مرسوم؛ فلربما تستفحل أطماعهم وتجنح بهم طموحاتهم، فما بالك بمن يدخل حلبة السياسة ويعرف دهاليز الحكم.

ببلوغ نهاية ذي الحجة 235هـ، قرر المتوكل أخذ البيعة لثلاثة من أطفاله، تحسّبًا لأي طارئ قد يُقصيه، واستثمارًا لدرسٍ أفاده من موت الواثق قبل أن يعيِّن وليًّا؛ فولاية العهد الأولى لابنه محمد (13 عامًا و9 أشهر)، ولقّبه المنتصر بالله، والولاية الثانية لابنه الزبير (سنتان و9 أشهر)، ولقّبه المعتز بالله، والولاية الثالثة لابنه إبراهيم (نحو 7 سنوات)، ولقّبه المؤيد بالله.

نُقلت مراسم البيعة والتبريكات على الفضائيات، وتقاطرت الوفود إلى قصر الحكم في سامراء، وإن "اللي في القلب.. في القلب"، إنما تسجيل الحضور واجب. التهبت شاشات وأيد مسحًا للجوخ وتصفيقًا، وأخرى شجبًا وإدانة واستنكارًا لاكتناز السلطات وتضييق مساحة الحرية الجزئية في الموافقة على الحاكم، وممارسة الوصاية والسلطات الأبوية على الشعب المكلوم.

ترصد كاميرات خاصة تعابير وجوه رجالات الجيش، حتى وإن كانوا مدرَّبين على التصنع والتكتُّم، قد تنفلت من أحدهم إشارة أو تشي صفحة وجهه بامتعاض، ما يستثمره المتوكل ويسبر أغوار مؤسسة الجيش هذه، وخصوصًا أنها لم توافق أهواءه منذ البداية. يدرك المتوكل أن الجيش لا ولاء له، ليس جيشًا خالصًا من أبناء الدولة، إنما مجموعة من المرتزقة، ما بين تركي وخزري وفرغاني وغيرهم من الأعاجم، تحركهم المصلحة الشخصية والمادة، لا المبادئ والمُثُل.. هذه دخيلة نفس المتوكل ورؤيته لجيشه؛ فهل تصدُق نبوءته؟!

لو استبقنا الأحداث، وسافرنا عبر الزمن من سنة 235هـ إلى عصر الخليفة المهتدي (255 – 256هـ)، لقلنا إن المتوكل كان ألمعيًا، إذ تحققت مخاوفه حرفيًّا، وتدخل الجيش لعزل المهتدي، ووبخه لأسباب منها أنه طلب أن تُعلن ميزانية الجيش، وأن تمارس الرقابة الإدارية صلاحياتها وتكشف الفاسدين والمرتشين، إذا وُجدوا في مؤسسة الجيش. لكننا لا نملك آلة السفر المزعومة، وعلينا التريث ومواكبة الأحداث ولننظر ماذا سيحل بالمتوكل!

استيقظ المتوكل من نومه مذعورًا، وقد رأى في حلمه تفاصيل تغلغل التُّرك في مفاصل الدولة، فكثَّف اجتماعاته عازمًا على نقض غزلهم وتفكيك مخططهم، وتوسل بورقة رابحة جمعت له ولاء الشعب ومباركة الفقهاء، ورفعت أسهمه جماهيريًّا مقارنة بأبيه وسلفه، ووأد فتنة القول بخلق القرآن، ومن هذا الحادث تنطلق رحلتنا المقبلة.

دلالات