مرآة الأنام في دار السلام (1)

12 يوليو 2020

أفاقت الشمس يومًا من غفوتها، حاملة معها أنباء حمّالة أوجه لقاطني دار السلام (بغداد)، ونادى المنادي "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، مات الخليفة"، لحق المأمون بقطار الراحلين بعدما حكم سنين عددا (198 – 218هـ)، وتباين الناس في ردود أفعالهم، هرول بعضهم لاستخراج تصريح الدفن، ورقصت قلوب بعض المعارضين، وظل بعضهم في ريبهم يترددون، ولم تغب نظرية المؤامرة!

مات المأمون فجأة وفي ظروف مُريبة، ما دفع البعض لتوجيه أصابع الاتهام إلى المنتفع الأول بموته، وحوصر المعتصم -بشكلٍ غير مباشر- وإن بويِع بالخلافة (218 – 227هـ)؛ فقد حذر يحيى بن أكثم المأمون من طموح أخيه وأنه "يحاول الخلع"، لكن المأمون كان يحب أخاه، وقدّمه على أبنائه في ولاية العهد.

لم يُفتح صندوق المعتصم الأسود، لكن القرائن تشير إلى توجّسه من الجيش، وإن كاد المريب يقول خذوني؛ فإنها مقاربة ليست مؤكدة وشروع ليس بوقوع، وقرر المعتصم أن يحتال للأمر ويحتاط.

قلَّب الفكرة على غير وجه، وارتأى أن يستعين بأخواله ويرتكز على النعرات، سلاحٌ أتقن العباسيون استعماله، إذ حمل الفرس بذور الدعوة العباسية، ومنَّاهم أبو عبد الله السفاح -وأبو جعفر المنصور- أن يكونوا الوزراء والسفراء والمحافظين؛ فلما أنجزوا مهمتهم صدقهم العباسيون وإن ضربوا أعناق الطامحين منهم والطامعين، وفي مقدمتهم أول وزير للعباسيين؛ أبو سلمة الخلال، فضلًا عن الحصان الأسود في نشر لوائهم؛ أبي مسلم الخرساني.

وتترى الأيام والعباسيون يقدِّمون الفرس على العرب، نكايةً في العرب الذين ناصروا دولة الأمويين، ومغايرةً لسياسة بني أمية التي قامت على أكتاف "القومية العربية".

تذكر المعتصم أن الجيش ساخطٌ عليه، وأن بعض كبار القادة يرشحون العباس بن المأمون بدلًا منه، وربما ينفذون انقلابًا ناعمًا أو خشنًا؛ فأرسل إلى العباس وأخذ منه البيعة. صُدِم قادة الأركان وأرباب السيف من موقف العباس، بايع "ببساطة كده وبكل وضوح"، وأزروا عليه صنيعه الساذج، وإن لم ييأسوا من المكيدة للوافد الجديد إلى كرسي الخلافة.

دارت حمى المكيدة وأُلقيت العداوة الباردة بين الطرفين؛ فأخذ الجيش على عاتقه إعادة تأهيل العباس ليخلُف والده، وليطيحَ بعمَّه الأمي الذي يسيء إلى إرث سلفه وأخيه (المأمون)، راجين من العباس أن يتلقَّف الدروس ويستوعبها سريعًا؛ ليتسنى لهم تسريع وتيرة تصحيح الأوضاع.

في المقابل، استعان المعتصم بالأتراك واستمالهم بأمه، وكانت جارية تركية لأبيه هارون الرشيد، وصادفت الدعوة هوىً في نفوس التُّرك؛ فهم يبحثون عن موطئ قدم في بلاط عاث فيه الفرس، واستأثروا بالمناصب العليا تاركين الفتات للترك والعرب وآخرين.

تجمَّع التُّرك حول المعتصم "بالباع والذراع"، ووقفوا معه وقفةً شدت ظهر المعتصم، وسمحت له أن يُصفي العباس جسديًا، وزار التُّرك -فجرًا- عددًا من فلول نظام المأمون وحزب "الأريكة" ومناهضي الدولة الحديثة، وقدِّم المناوئون لمحاكمات صورية ترأسها "مسرور السياف"، من باب الإنجاز وتوفير النفقات؛ فحكم عليهم بالإعدام ونفّذ فيهم الحكم بيديه.

مع كل ذلك، لم يُسلم المعتصم عينيه للنُّعاس، ناهيك بالنوم "ملء جفونه عن شواردها"، وقرر أن يبني عاصمةً تقيه عاصفةً محتملة؛ فأمر ببناء سُرَّ من رأى/سامراء (221هـ)؛ لتكون مقرًا له وقاعدةً لجنده وأنصاره، وانتقل إليها مع خاصة جُنده من التُّرك، وتباعد عن العرب والفرس، ومكَّن للترك حتَّى بلغوا شأوًا زاد على البرامكة في عهد أبيه الرشيد، وآل سهل في خلافة أخيه المأمون.

غابت عن المعتصم سياسة انتهجها جده الأكبر، المؤسس الحقيقي لدولة بني العباس، أبو جعفر المنصور، إذ وازن بين العنصر العربي والعنصر الأعجمي

تمكن جنرالات المأمون وأنصار العهد البائد من النفخ في الرماد، وأوقدوا نارًا للفتنة وزينوا للعباس بن المأمون المطالبة بالشرعية وخلع المعتصم (223هـ)، ولات حين شرعية، فالمعتصم أطبقَ على الخلافة بأنيابٍ من فولاذ، وأحاط نفسه بغابةٍ من الأتراك، وأخلصوا له كما أخلص لهم، ومن ثم فشلت خطة العباس والجنرالات، وقطف المعتصم رأس ابن أخيه ومن معه.

نبّه الانقلاب الفاشل المعتصمَ إلى كثرة الساخطين عليه، ونقل لي الطبري في "تاريخ الأمم"، ومسكويه في "تجارب الأمم"، وابن الأثير في "الكامل"، فضلًا عن صاحب "العيون والحدائق" أن المعتصم لمَّا علم أسماء القادة المحرضين للعباس "لم يصدّق لكثرتهم وكثرة من سُمِّي منهم".

غابت عن المعتصم سياسة انتهجها جده الأكبر، المؤسس الحقيقي لدولة بني العباس، أبو جعفر المنصور، إذ وازن بين العنصر العربي والعنصر الأعجمي (الفارسي في مقدمته)، لكن من جاؤوا من بعده مالوا للفرس ميولَ الأمويين عنهم. بعد تسع سنوات على كرسي الخلافة، لبى المعتصم نداء الحق، وخلفه ابنه الواثق لخمس سنين (227 -232هـ)، ومعه استفحل أمر الأتراك في الدولة، ورسخ في ذهن الواثق والأتراك -على السواء- أن بقاءهم مرتبط بهذه الوحدة، وأن مصيرهم متلازم وفق ما رسم أبوه من قبله.

وقضى الواثق قبل أن يعيّن وليًّا للعهد، وابنه محمد دون الرابعة عشرة بثلاثة أشهر؛ فتورّطت بطانة الواثق في خليفة "لم يكن في البال ولا في الخاطر"، وبينه وبينهم ما صنع الحداد؛ جعفر بن المعتصم والملقَّب بالخليفة المتوكل على الله، وقد جلس على العرش في 24 ذي الحجة سنة 232هـ، وفي النفس أشياءٌ على بعض الوزراء والقادة والكتَّاب، لا سيَّما الوزير محمد بن عبد الملك الزيات وقائد الجيش إيتاخ التركي، لمحاولتهما المستميتة إسناد الخلافة إلى محمد بن الواثق بالرغم من صِغر سنّه.

بويع المتوكل وهو ابن 26 سنة -على كراهية من ابن الزيات وإيتاخ- وانتقلت الخلافة من أولاد الواثق إلى إخوته، وأيقن المتوكل أنه "خليفة بالصدفة" وأن جلوسه على العرش ضرورةٌ أملتها الأحداث، ما يعني أنه سيواجه الحرس القديم والفلول وأحزابًا موالية للواثق ساخطة على الوافد الجديد، وسيكابد صمت ثم تلوّن حزب "الكراويتة". من هذا المنطلق، دبّر المتوكل حُزمة إجراءات احترازية، زلزلت كيان الدولة، وكان لها من التوابع الشيء الكثير، وتركت انطباعات متفاوتة عن المتوكل والعباسيين كذلك، أما تفاصيل ذلك فكلام يطول، ولنا معه وقفات.

دلالات