مذكّرات منتصف الليل

30 أكتوبر 2019
الصورة
روبرت ناتكين/ الولايات المتحدة
+ الخط -

"أعرف أن أغنياتي لن تغيّر الكثير، فلست سوى فتاة تقول ما تشعر به،
أشدو بأغنية خوفاً من الظلام وآمل أن يحدث شيء"

(من أغنية ألمانية)


مذكّرتي العزيزة:

إنه الليل، وحده الليل والوحدة. سكان البيت نيام، وأنا لا أعرف ماذا سأخط داخلك. أعجبني كثيراً غلافكِ الأسود المتين الذي يحمل جمجمة بيضاء مبتسمة... كنتِ مذكّرة مختلفة تماماً، خالية من استمارة المعلومات "والتقويمات والخرائط... خالية تماماً إلّا من الخطوط السوداء المتناسقة على صفحاتك الصفراء. ومن الجهة الداخلية لدفّتكِ الأخيرة كُتب - بخط أسود غامق: "life Is life".

اقتنيتكِ، وظللت حبيسة الخزانة، في انتظار الوقت المناسب للبوح. وها قد حان. لكنني لا أعرف عما أحدّثك؟ أظنك تعرفين عنّي كل شيء!

عما أحدّثك؟ عن كَوني آخر العنقود، عن اضطهادهم لي داخل الأسرة: لأنني أحب ارتداء السراويل الضيقة، والاستماع إلى موسيقى تقلب الدماغ؟ عليَّ أن أكون فتاة مطيعة، مجتهدة، تسمع كلام الوالدين، ليقول الناس إنها فتاة خلوقة، تُبعِدُ العائلة عن القيل والقال.

أم أحدّثك عن أخي الكبير، المنعزل في غرفته وسط الكتب. إنه يمتلك كتباً كثيرة: في المكتبة، على الطاولة المستديرة، في الكراتين، تحت السرير... (يقول إنه لو سافر إلى القاهرة أو بيروت أو بغداد سيكون له أكثر). انقطع عن الجامعة، وتفرّغ للكتابة، يقول إن الكتابة أهم شيء في الحياة... أهم من العائلة، والصداقة، والدراسة، والنساء... أهم من الحياة نفسها. أحياناً أرى أنه مجنون. لكنه مجنون جميل.

أنا لا أعرف معنى الكتابة، لم أكتب يوماً قبل هذه اللحظة. حتى أنني أجد حصة الإنشاء سخيفةً، يطلبون منا الكتابة بأسلوبنا، لكن مع الالتزام، بعيداً عن الرأي الخاص!

يمكن اعتبار هذا مجرّد بداية تعارف، يشوبها التوتر والخجل. ما زلت ستتعرّفين عليّ أكثر وأكثر... سأحكي لك، لأنني في حاجة ماسة للحكي والبوح... عن المدرسة، والأصدقاء، والأحلام، والمخاوف...


■ ■ ■


مذكّرتي العزيزة:

كان امتحان التاريخ يقلب الرأس.. لكنّني تمكّنت من حلّه، (ج) كتبَت موضوعاً تداولناه. وبعد الامتحان، دخلنا المرحاض، وأخدنا سيلفي: مشيرات بوسطانا نحو الكاميرا. (ي) أخرجت لسانها وأغمضت عينها اليمنى. اتكأنا، في زاوية من الساحة، على محفظاتنا. أخرجنا الساندويتشات وكانيطات المشروبات الغازية. تلذّذت بطعم البطاطس المقلية مع الكوكاكولا. كانت (ي) بصدرها الصغير في مقابلتي. (ي) تكره ثدييها الصغيرين، كثيراً ما رفعت ملابسها في المرحاض وقالت: "إنهما مثل حمّصتين..."، تسمح سراويل "كِيابي" و"ديفاكتو" ببروز فخذي (ل) الممتلئين. صاحبها، ابن الفسيان، يحب فخذيها، يقول إنهما أجمل ما فيها...

يقول أخي:

"أنتن غبيات، رؤوسكن فارغة... لكنكن متمرّدات.. هذا أهم شيء. ترتدين البناطيل الممزّقة، وتستمتعن إلى بيلي آيلش، وديزي دروس، وسيلينا غوميز... إنكن منفتحات على الحياة. أمّا أباءكن وأجدادكن والأولون، فيدهم في التراب. ‘نهم الخائفون. عاشوا أربعين سنة من الخوف، الخوف من المعلم، والشرطي، والمقدّم، ومذيع التلفزيون، ومن الله... يخافون نهاراً ويبلّلون أفرشتهم ليلاً..."

عند السادسة ستقابل (ل) صاحبها، تتحجّج بالدروس الخصوصية لتقابله. تقول إنه أدخلها حفلة ورقصا، وشربت الويسكي...

ظلّ الوكيل واقفاً أمام مكتبه، يدخّن سيجارته التي يُخفي دخانها وجهه.

منحتني (ج) بقايا سندويتش الكفتة، وضعت سمّاعات أذنها واستلقت. التهمتُ البقايا دفعة واحدة، ومسحت يدي في سروالي. تخلّصت من الوزرة الخانقة، واتكأت على محفظتي، وأغمضت عينيَّ غافية.

قضيت حصص المساء شبه نائمة، برأس مثقل.. تذكرت وجه الولد، الذي رأيته في العاشرة، بجانب الإدارة. الولد الذي ضرب معلّمة الفرنسية الصفراء. كان مع أمه، أمه التي سبّتها المعلمة وقالت عنها: "خبّازة"... فقذفها بالدفتر. وقدمت ضده شكوى، سيُطرد حتماً...

كانت ملامحه تحمل جدية وجاذبية خاصتين...

قبل تنفُّس هواء المساء، رأينا صاحب (ل) أمام الباب ينتظرها. تبادلا القبل. قلت: "سأذهب".

قال: "سأوصلكم".

قلت: "ابْلاشْ.. سنذهب سيراً".

ركبت (ل) وراءه على الموطور. وانطلقا. تمشينا أنا و(ي)، قاللت: "ما كنحملوش... ".

-مثلكِ

-داير بحال الذيب...

بعد سير قليل وصلت (ي) عمارتها، فوجدتُني وحيدة... ثم تذكّرت البيت: الأم الحزينة الكئيبة، والأب المدخّن العابس...

كان علي السير في الطريق وحيدة.


■ ■ ■


مذكّرتي العزيزة:

لا أعرف لنفسي أحلاماً أو مستقبلاً، عندما أتأمّل حياتي: أجدني لا شيء. أنا إنسانة عادية، فارغة، مراهقة، تافهة، في الخامسة عشر... هذا كل شيء.

أحياناً، أشعر أنَّ هذا العالم يرفضني، يركلني على مؤخّرتي برجل ضخمة ويقذفني خارج الإطار... (أفكر بحرق هذا العالم والتطلّع عليه – محترقاً - من فوق. سيكون لاحتراقه صوت جميل وخاص).

للمستقبل رائحة عفنة نفّاذة تساعد على احتراق العالم.

في الجامعات العامة، حيث الاكتظاظ وحشو الأدمغة بالأفكار منتهية الصلاحية. أو المدارس العليا التي لا تترك لك فرصة لانتظار الوظيفة... الوظيفة تساوي الاستقلالية، تساوي المنزل المجهّز والسيارة... وقد تأتي فرصة للهجرة إلى كندا أو سويسرا، هناك حيث تُتاح الفرص الحقيقية أمام الإنسان. إنهم يستقبلون الأدمغة المهاجرة إليهم... وما دام دماغي قابلاً لاستيعاب أفكارهم، ودون فلسفة... فإن المستقبل مضمون. الحياة تحب الدماغ الخفيف، الذي يستوعب الأفكار التي يحشون بها أدمغتنا: العائلة، الصداقة، الوطن، العلم... الأفكار المبثوثة في الأغاني والمسلسلات والجرائد ونشرات الأخبار والكتب المدرسية. الكل يعرف أنها أفكار مكانها القمامة، لكنها تجد طريقها إلى حياتنا، ويمكن استعمالها في الوقت المناسب، مثل علكة لنفس منعش... مثل أسلحة سرية.

لقد عرفنا أن الحياة التي يصوّرونها لنا مجرّد خدعة، خدعة مكشوفة.. لكننا نطاوعهم، ونبتسم في وجههم. وكل يجد لنفسه طريقاً خاصة.

أهرب من نفسي، إلى الليل، إلى النوم، إلى الأغاني الحزينة، إلى البكاء في الكوخ عند طرف الغابة... انهيار العالم لا يهمني... لا أريد أن أكون حْمارة تمتثل لعصا صاحبها، أو صورة صفراء في كتاب التاريخ. أنا وحيدة، أنا ضائعة، أنا لا اعرف.


■ ■ ■


مذكّرتي العزيزة:

أكتب مبلّلةً بعرق الحلم، أقصد الكابوس.. إنه كابوس آخر ضمن قائمة الكوابيس التي بدأت تزورني. كل يوم كابوس جديد، كابوس يُنسيكِ في الكابوس الذي سبقه: وحوش الزومبي المُطارِدة، خنادق الديدان المتوحّشة، الأفعى الخضراء الضخمة التي تخرج من بطني، لتفتح فاهها، وتلتهمني...

صرت أخاف النوم، لكي أتفادى الكوابيس. أعارتني صديقة منوّم أمها. لكنه كان بلا فائدة. لم يفلح في إغلاق باب الكوابيس المرعبة التي أصحو بسببها فزعة، متعرّقة، أحياناً أتقيّأ. خفت أن يكون جنياً عاشقاً، جنياً من أغنية هارد روك أُغرم بي. كانت الكوابيس تقع داخل مدن منهارة، أسير فيها مهدّدةً بالقتل في أية لحظة... كل كابوس يأتي حاملاً مفاجأته الخاصة كما يحصل في ألعاب الفيديو. تتحرّك بطني كأن بها جنيناً، حركة تشبه هزّة الزلزال، ثم تنشق، فتخرج الأفعى الخضراء: عيناها الحمراوان تحملان حقدا غريباً، تفتح فمها على اتساعه وتلتهمني...

ذهبت إلى أخي في غرفته:

- أريد كتباً...

- ماذا؟!

-أبحث عن الدواء...

-دواء؟ في الكتب؟ كون كان الخوخ يداوي...

قهقه، ثم أزال نظاراته المدورة وفرك عينيه المتعبتين من القراءة: "اذهبي فأنت صغيرة على الكتب، وحتى إذا كبرت فإنها لن تفيدك. أتعرفين؟ إذا أنجبت أطفالاً فسأمنع عنهم الكتب. سأبيح لهم السجائر والخمر وأمنع عنهم الكتب".

- أريد معرفة الحقيقة.

- الحقيقة خارج الكتب.

الحقيقة الغائبة، الجزء الخفي من هذا العالم، الذرة العصية على الرؤية.

قد يستحيل نومي هذه الليلة.. هذا أكيد. رعب الكابوس لا زال يرن في رأسي... سأذهب الآن، ربما تكون هنالك فرصة للحكي، وقد لا تكون. سأفتح الثلاجة، وأشرب من فم الزجاجة الباردة، وأدخل غرفة أخي النائم، أتسلّل داخل فراشه، يدرك وجودي، ينحّي الكتب عن السرير، يُفسح لي مكاناً، أمد يدي تحت اللحاف متحسسة ذراعه... وأتمنّى أن أنام لأستيقظ داخل حياة أُخر...

"قد حدثتْ هنا.. حياتي.. هنا في هذا العالم"**.


* كاتب من المغرب

** الجملة لـ لطيفة باقا

المساهمون